سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني والشيخ محمد عبده

70

رسائل في الفلسفة والعرفان

واردةكيف بدأ اللَّه الخلق ؟ من القضايا الأوّليّة ؛ إذ الطفرة محال ؛ أي كونك في مكان لم تكن فيه لا يمكن طفرةً ؛ أي بدون قطع مسافة - على أيّ وجه كان - من المكان الذي كنت فيه إلى ما لم تكن فيه ، وإلّا لزم عدم المسافة وكونك فيه قبل كونك فيه ، وهكذا في كلّ شيء له بداية ونهاية ، لا يمكن الوصول إلى الغاية إلّابقطع المراتب المتوسّطة ، ومنه اللطف والتكثّف والقلّة والكثرة والإطلاق والتقييد ونحو ذلك ، فإنّ الكثرة لا يمكن تحقّقها إلّا بتحقّق آحادها ولا يخفى عليك مثل هذا البديهي ، غاية الأمر أنّه يتفاوت القطع بالسرعة والبطء ، فإذن الارتقاء من مرتبة الإطلاق وإلى أقصى مراتب التقييد ، لابدّ فيه من قطع مراتب التقييد إلى أن يصل أقصاها ، وإلّا لزم عدم المراتب ، والفرض وجودها ؛ لما علمت من ثبوت المبدأ والمنتهى ، ولما تبيّن لك أنّ الأكوان شؤون الوجود ودرجات تنزّله وأطواره ، فاعلم أنّ تنزّله إلى غاية التقييد من مرتبة غاية الإطلاق ، لابدّ فيه من قطع مراتب التقييدات التي بين المبدأ والمنتهى ، فقد وقع التجلّي على مراتب التنزّل ؛ الألطف فاللطيف . . وهكذا إلى آخر مراتب التنزّل ، وهو العالَم الهيولاني الطبيعي ، فجميع المراتب التي قبل هذا العالم هي التي نسمّيها بالملائكة والسُّرادقات ، ونسمّي البعض عقلًا والبعض نفساً . . . وهكذا ، فكلّ مرتبه طِلَسْم وصورة للتي قبلها ، والتي قبلها حقيقتها وباطنها ، والقائم بها إلى حقيقة الحقائق ، وأقر بها إلى الوجود ، هو المسمّى بالعقل ؛ لما أنّه أمام جميع المتعيّنات ، ومتلقّي فيضها من المبدأ الاوّل ، وفي كلام الحكيم الإلهي صلّى اللَّه عليه وسلّم : ( أوّل ما خلق اللَّه العقل ) ، وباقي المراتب قبل الناسوت هي النفوس الكلّيّة ، وأشعّتها المنبثّة عنها في المراتب العرضيّة هي النفوس الجزئيّة ، وهذا هو المسمى بعالَم المجرّدات .