سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني والشيخ محمد عبده
71
رسائل في الفلسفة والعرفان
ثمّ على حسب ما وصل إليه نظرنا ، وانتهى إلينا من حضرة الحكيم الإلهي : أنّ النفوس الكلّيّة المربّية لعالم الناسوت الظاهرة فيه على ما تقتضيه مرتبته في التنزّل أربعة نفوس : وهي الحاملة لعرش الربّ الذي هو هذا العالم نفس « ميكائيليّة » ، وهي التي تركّب كلّ ذرّة من ذرّات الوجود مع الأُخرى لأمر يقتضيه ، وهذا هو الرزق العامّ ، ومنه الجذبات العموميّة الكائنة بين ذرّات الوجود . ونفس « إسرافيليّة » ، وهي التي بها حصل الحياة في كلّ ذرّة من ذرّات الوجود ، ومنها فيض الحياة العامّ . ونفس « جبرائيليّة » ، وهي المفيضة للإدراك في كلّ ذرّة من ذرّات الوجود . ونفس « عزرائيليّة » ، وهي القابضة روح الحياة عن بعض ذرّات الوجود لأمر يقتضيه ، المحللّة لبعض الأجزاء عن البعض ، المخلّية لبعض المراتب عمّا كان له ، كلّ ذلك في كلّ شيء بحسبه . ثمّ إنّه كما يحصل ذلك في الذرّات الجزئيّة يحصل في المركّبات ، ومن ذلك قبض حياة الحيوان بالنفس « العزرائيلية » ورزقها « بالميكائيليّة » وحياتها « بالإسرافيليّة » وإدراكها « بالجبرائيليّة » . والمرتبة « الجبرائيلية » كما حصل منها التعليم الباطني للجزئيّات والكلّيّات ، كذلك قد يحصل منها التعليم الظاهري ، كما حصل لبعض القدّيسين [ 1 ] ، مثل الأنبياء ، وهذه المرتبة كثيراً ما جاء ذكرها على الألسنة الإلهية خصوصاً على لسان نبيّنا - صلّى اللَّه عليه وسلّم - فجاء : أنه رآه وقد سدّ الأُفُق ، ومرّة أنّ له ستمائة ألف جناح ، كلّ جناح منها قد سدّ الأُفق ، وليس هذا إلّارمزاً لما قرّرناه ، وإشارة إلى ما أوضحناه ، ولا تستبعدن مثل هذه الأفكار ، فإنه قد تكلّم قوم بالسيّال الكهربائيّ في العالم ، وليس يظهر إلّاآثاره ، وهو كلام حقيقيّ مبرهن ، فقل أنت بالسيّال الروحي في العالم . وليست هذه المراتب متباينة متفارقة ، بل كلّ شيء في كلّ شيء ، ولفظة « في » ضيق عبارة . ولنرجع إلى إتمام ما نحن بصدده ، فنقول :
--> [ 1 ] في المخطوطة : « القدسيّين » .