سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني والشيخ محمد عبده

65

رسائل في الفلسفة والعرفان

ويلزم على هذا المذهب ما لزم على الشِّقّ الثاني من ترديد قول الأشعري ، فإنّهم قائلون بأنه بارتسام الصور ، وذهب الصوفيّة إلى أنّ جميع جزئيات الممكنات حاضرة لديه في الأزل ، موجودة بوجودها الخارجي ، قائلين بأنّ الزمان شأن من شؤون الحقّ ، وجميع الكائنات الداخلة تحت حكم الزمان موجودة في ذلك الزمان ؛ بمنزلة النقاط المرسومة على الخطّ المستقيم ، ولما ظهر الحقّ بهذا الشأن الواحد فقد ظهر بجميع ما فيه ، فالكلّ موجود عنده حاضر لديه منكشف له . واستشهدوا لذلك : بأنه كما أنّ [ 1 ] نسبته إلى جميع الأمكنة على السواء ، فكذا نسبة الأزمنة إليه على السواء ، ليس عنده حال ولا ماضٍ ولا استقبال ، وإنّما نحن لا ندرك ما يأتي من بعدُ أو ما مضى إدراك الحال ؛ لقصور نظرنا ، كنملة تمشي على خيط ملوّن بألوان مختلفة ، فهي لا تدرك لوناً حتّى تتجاوز اللون الذي قبله لقصور حاسّتها عن الاطّلاع على جميع الألوان دفعة ، وهي تظنّ بأنّ هذا حادث وذاك انعدم ، مع أنّا نراه دفعة ، فكذا نحن . وهذا المذهب هو الذي حمل عليه صاحب « المحاكمات » مذهب - الحكماء في قولهم : يعلمها على وجه كلّيّ ، فقال : أي لم يعلمها معدومة ثمّ موجودة ، بيضاء ثمّ سوداء ، وهكذا يتجدّد في علمه ، بل يعلمها على تغيّرها دفعة ، ومثّل بهذا المثال ، واستشهد بذلك الاستشهاد ، وكأنّه قول بما يحكم صريح العقل بخلافه ؛ إذ كلّ عاقل يحكم بأنّ اليومَ المستقبلَ معدومٌ الآنَ ، موجود فيما بعدُّ بجميع ما يحدث فيه في طرفي الوجود والعدم ، وليس هذا بمنحطّ عن درجة السفسطة ، مع أنه لا يسلم من القول بالارتسام والتمثيل والاستشهاد في لون بين الممثَّل والمستشهد له . ولنرجع لتحقيق الحق فنقول : أنت تعلم أنه لما لم يكن وجود إلّالذاته ، فحقيقته حقيقة الحقائق ، وذاته ذات الذوات ، وجميع ما تتوهّمه إنّما هو من الاعتبارات لتلك الذات ، فلابدّ أن نقول : إنّ علمه عين ذاته ، وهو عين علمه بذاته ، وهو علم بجميع شؤونه وأطواره ، وأنّ جميع ما تشرّف بالبروز فإنّما هو على ما في العلم ، ولكن لضيق طرف الخارج عن أن يسع المراتب الغير المتناهية - التي يقتضيها على حسب ما

--> [ 1 ] في الأصل : « أنّه » .