سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني والشيخ محمد عبده

66

رسائل في الفلسفة والعرفان

لكلّ شيء في ذاته - حصل الترتيب في تلك التجلّيات ، فكما أنّ ذاته واحدة بالذات ، والكثرة إنما وقعت في عالم التجلّيات ، فكذلك علمه بالكلّ واحد بالذات ، وكثرته في عالم التجلّيات ، فما برز في الوجود إلّا ما كمن في العلم الذاتي ، ولا فُصّل إلّاما أُجمل فيه ، فهو العالم بكلّ شيء ( لا يعزُبُ [ 1 ] عنه مثقال ذرّة ) ، فدقّق النظر ، وإيّاك أن تحجبك الكثرة عن ذات الوحدة ، فإنّ البحرلو عُلم بذاته فليس يحتاج إلى علمٍ آخر يُعلم به أمواجه . وهذا قد يوافق من وجه قول بعضهم : إنّ العلم قديم وتعلّقه حادث ، ولكن قد ضلّ عن السبيل ، فوقع في تيه الأباطيل . وأيضاً يقرب ممّا يقال : إنّ للأشياء وجوداً علميّاً ، ووجوداً شهوديّاً ، ومما يقال : إنّ للشيء وجوداً بحسب ذاته ، ووجوداً في ذاته [ 2 ] . فتفطّن وطبّق إن كنت من أهل النظر .

--> [ 1 ] أي : لا يغيب عنه ولا يبعد ولا يخفى . [ 2 ] في الأصل هكذا : في ذاته ت العلّة .