سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني والشيخ محمد عبده
41
رسائل في الفلسفة والعرفان
واعلم أنّ هذه الدائرة الكلّيّة مشتملة على جميع الموجودات : جبروتها وملكوتها وملكها وما بينهما ، وما يتعلّق بالحقّ منها يسمّى بالجبروت ، وما يتعلّق بالعبد ينقسم إلى قسمين [ 1 ] : قسم يسمّى بالملكوت ، وقسم يسمّى بالملك ، فإنّ للعبد روحاً وجسماً ؛ روحه شامل للملكوت [ 2 ] ، وجسمه شامل للملك [ 3 ] ، وما يتعلق بالحقّ والعبد معاً سُمّي بالحقيقة الكلّيّة الإنسانيّة ، والقسم الذي يتعلّق بالعبد كلّما قسم بقسمين ، ويسمّى كلّ بما بليتم ؛ لذلك خصّص قسم بأهل السعادة والهداية ، وهو من ( إِهْدِنا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمِ صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ) ، وقسم بأهل الشقاوة والضلالة ، وهو من ( غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ) إلى آخره ؛ وذلك لأنّ عالم الجبروت جامع للجمال والجلال ، ولابدّ أن يكون لهما مظهران ؛ ليظهر بهما أحكامهما وأخلاقهما وأعمالهما ، ولهما الجنّة والنار ، ومجموع ذلك مندرج في القسم الذي يتعلّق بالعبد . وأما القسم الذي يتعلّق بالحقّ والعبد معاً - الذي سُمّي بالحقيقة الإنسانيّة - فهو مرتبة أهل الكمال ، ومقام المطّلع ، ومنزل الإشراق على الأطراف ، وموقع الأعراف ، وفيه رجال ، كما قال اللَّه تعالى : ( وَعَلى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلّاً بِسِيماهُمْ ) [ 4 ] ؛ لأنّهم محيطون بالكلّ [ 5 ] ، ولهم الكمال المتعلّق بالذات ، والجمال والجلال مندرجان في الكمال ، وأرباب هذا الموقف العارفون الموحّدون . فإذا تقرّر هذا فاعلم : أنّ في البرزخ يتّصف الحقّ بصفات العبد : من الضحك ، والبكاء ، والبشاشة ، والفرح ، والمكر ، والاستهزاء ، والمرض ، والجوع ، والعطش . . . وما أشبه ذلك ، والعبدُ يتّصف بصفات الحقّ : من الحياة ، والعلم ، والإرادة ، والقدرة ، والسمع ، والبصر ، والكلام ، والإحياء ، والإماتة ، والانبساط ، والقبض ، والتصرّف في الكون والأكوان . . . وغير ذلك ، فهذا البرزخ
--> [ 1 ] في الأصل : « بقسمين » . [ 2 ] في الأصل : « بالملكوت » . [ 3 ] في الأصل : « بالملك » . [ 4 ] الأعراف : 46 . [ 5 ] في الأصل : « على الكلّ » .