سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني والشيخ محمد عبده

24

رسائل في الفلسفة والعرفان

العام والذين يخشون التطور والجديد ، كافية للاقناع . فما هو « براهين » ( وحجج أو ذرائع ) تجيّش لنقض النظرية الداروينية في الحياوة ( البيولوجيا ، علم الحياة ) ، تعجز عن أن تكون أدلة فلسفية أو موضوعية التوجه . لا يفصل الأفغاني بين العلمي والايماني ؛ ولذلك فهو يقدم احكاما معيارية ، ورؤية ايديولوجية محكومة بالمسبق والجاهز ، بل وبالخوف اللامبرر على الايمان والروحانيات . العرفان المحدث‌و يتضح دفعة واحدة ، على نحو فوري ، ان النظرية الفلسفيةعند جمال‌الدين غير موقّدة بمناهج وثمرات العلوم الطبيعية والانسانية التي كانت ، في القرن التاسع عشر ، تقدم حقائق وتعيد التصور عن المتعاليات والوقائع ، وعن معنى العلم وثقل الفلسفة لم تكن الفلسفة عندنا متقبلة منفتحة ، ولا ساعية إلى التعلم والتثمير أو إعادة التسميات والمعنيات . لقد بقيت المصطلحات الكبرى ، في نظرية الأفغاني الفلسفية ، سيناوية اعتزالية ؛ فهي نظرية لم تحاور الانساق التي طرحها كنط ، أو هيغل ، أو ماركس ، أو غيره من مدقّقين فرنسيين في مجال الفكر الأعمّي الأشملي . تتجلى تلك الروحية « التقليدية » ، المحافظة والاستمساكية ، في العرفان « المحدث » بخاصة في تمثلات الأسد آبادي حول الصناعة ، والعمل ، والدين ، وتطور الوعي ، والحس التاريخي ، والعقل ، والألُوهية والنبوّة . . . فما هو العلم ، ولا سيما الصناعة في تلك المدرسة الفلسفية الاسلامية ، وفي ذلك « العرفان المحدث » ، اللذين الحفنا أعلاه على أن السيدجمال‌الدين كان الحارث الباني والمؤسس المنظم ؟ وهو يستعيد ما كان ، عند ابن سينا ، الإطار العام ، والالفاظ التقنية بل حتى الجملة أحيانا والمثل أو التشبيه ( را : ابن سينا ، الإلهيات ، ج 2 ، الفصل الأخير ) . وليس دقيقا ان يكرر الأفغاني اقسام الصنعة وضرورة المهن وتكاملها ( فلسفة الصناعة ، 85 - 89 ) غير مستند إلى الواقع المتحرك بقدر ما كان مستنداً إلى ابن سينا « رسالة في