مجموعة مؤلفين
80
نهج البلاغة ، نبراس السياسة ومنهل التربية
سبحانه كرهّ إليهم التكابر ، ورضي لهم التواضع . فألصقوا بالأرض خدودهم ، وعفّروا في التراب وجوههم . وخفضوا أجنحتهم للمؤمنين ، وكانوا قوما مستضعفين » . دخل موسى وأخوه هارون ( ع ) على فرعون ، وعليهما مدارع الصوف وبيديهما العصي . فاشترطا عليه دوام الملك إذا هو آمن باللهّ . فألقى اليهما أساور الذهب ، ظنا منه أنهم سيرضخون له . يقول ( ع ) في الخطبة 192 - 2 : « ولو أراد اللّه سبحانه لأنبيائه حيث بعضهم أن يفتح لهم كنوز الذهبان ، ومعادن العقيان ، ومغارس الجنان . . . لفعل . ولو فعل لسقط البلاء وبطل الجزاء ، واضمحلت الأنباء . . . ولكن اللّه سبحانه جعل رسله أولي قوة في عزائمهم ، وضعفه فيما ترى الأعين من حالاتهم ، مع قناعة تملأ القلوب والعيون غنى ، وخصاصة تملأ الابصار والاسماع أذى . ولو كانت الأنبياء أهل قوّة لا ترام ، وعزة لا تضام ، وملك تمدّ نحوه أعناق الرجال ، وتشد إليه عقد الرحال ، لكان ذلك أهون على الخلق في الاعتبار ، وأبعد لهم في الاستكبار ، ولآمنوا عن رهبة قاهرة لهم ، أو رغبة مائلة بهم ، فكانت النيات مشتركة والحسنات مقتسمة » . ان العلاقات التي لا تنفصم هي العلاقات المعنوية غير المادية الموجودة بين المستضعفين والمتواضعين . ولقد لاقى الإمام ( ع ) الأمرين ليجعل أصحابه يسيرون إلى الحق ، وهم يعصونه ويفسدون رأيه ، حتى خاطبهم في الخطبة 27 قائلا : « يا أشباه الرجال ولا رجال ، حلوم الأطفال ، وعقول ربات الحجال . لوددت أني لم أركم ولم أعرفكم ، معرفة - واللّه - جرّت ندما ، وأعقبت سدما . قاتلكم اللّه ، لقد ملأتم قلبي قيحا ، وشحنتم صدري غيظا ، وجرّعتموني نغب التهمام أنفاسا ، وأفسدتم عليّ رأيي بالعصيان والخذلان » . وخاطبهم في الخطبة 25 قائلا : « اللهم إني قد مللتهم وملوني ، وسئمتهم وسئموني ، فأبدلني بهم خيرا منهم ، وأبدلهم بي شرا مني . اللهم مث ( أي أذب ) قلوبهم كما يماث الملح في الماء . أما واللّه لوددت أن لي بكم ألف فارس من بني فراس بن غنم : هنالك لو دعوت أتاك منهم فوارس مثل أرمية الحميم »