مجموعة مؤلفين

62

نهج البلاغة ، نبراس السياسة ومنهل التربية

أعوان الأئمة ، وأخوان الظلمة » من هنا يتبين أن من أهم عوامل الثقة بين الحاكم والجماهير ، وتحريك الجماهير للتعاون والتلاحكم مع الجهاز الحاكم ، هو وجود القيادة الصالحة ، فهي أهم عامل لوجود التوازن والاستقرار في المجتمع . ان النموذج الكامل لهذا القائد الصالح ، هو صاحب الذكرى الذي أقيمت هذه الذكرى لدراسة كتابه . لقد جمع خصال الحق وكان تلميذ المصطفى ( ص ) . انه رجل السيف والقلم ، والمنبر والحكم . لقد كان في تقواه وعدله شديدا إلى درجة لم يستطع أخوه عقيل أن يطيقها . وقد بلغ ( ع ) في كل الكفاءات الانسانية القمة السامية . حتى اجتمعت فيه المتناقضات ، من قوة وخشوع ، وهيبة وتواضع ، وبساطة وعظمة . لقد اجتمعت فيه كل هذه الخصال في مظاهرها الايجابية . . . بهذا أصبح علي إمام المتقين . أما من الناحية السياسية ، فان وجهه السياسي يختلف عن وجوه السياسيين الميكافيليين . لم يضح بشيء من أية قيمة من قيمة الانسانية . يعزل الولاة غير الصالحين . يرفض طلب ابن عباس في ابقاء معاوية على الشام وعدم عزله . يردّ الأموال المغتصبة غير الشرعية . يقول ( ع ) فيما ردهّ على المسلمين من قطائع عثمان : « واللّه لو وجدته قد تزوّج به النساء ، وملك به الإماء ، لرددته . فان في العدل سعة . ومن ضاق عليه العدل ، فالجور عليه أضيق » . من غير علي ( ع ) يستطيع أن يقوم بذلك كان ( ع ) يتجول في الليل بحثا عن الفقراء والمساكين ليساعدهم . كان يعيش من كدّ يمينه وعرق جبينه ، وما ادخر شيئا من حطام الدنيا . يصرح عن ذلك في كتابه إلى عثمان بن حنيف الأنصاري عامله على البصرة حيث يقول : « ألا وان إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه ، ومن طعمه بقرصيه . ألا وانكم لا تقدرون على ذلك ، ولكن أعينوني بورع واجتهاد ، وعفة وسداد . فو اللّه ما كنزت من دنياكم تبرا ، ولا ادخرت من غنائمها وفرا ، ولا أعددت لبالي ثوبي طمرا ، ولا حزت من أرضها شبرا » وفي آخر هذه الرسالة يقول ( ع ) : « ولكن هيهات أن يغلبني هواي ، ويقودني جشعي إلى تخير الأطعمة ، ولعل بالحجاز أو اليمامة من لا طمع له في القرص ، ولا عهد له بالشبع . أو أبيت مبطانا وحولي بطون غرثى وأكباد حرى ، أو أكون كما قال الشاعر : وحسبك داء أن تبيت ببطنة * وحولك أكباد تحنّ إلى القدّ