مجموعة مؤلفين
319
نهج البلاغة ، نبراس السياسة ومنهل التربية
مالك ، وقسما من غلات صوافي الاسلام في كل بلد . فان للأقصى منهم مثل الذي للأدنى ، وكلّ قد استرعيت حقه ، فلا يشغلنّك عنهم بطر ، فإنك لا تعذر بتضييعك التافه ، لأحكامك الكثير المهم ، فلا تشخص همّك عنهم ، ولا تصعّر خدّك لهم . وتفقّد أمور من لا يصل إليك منهم ، ممّن لا تقتحمه العيون ( اي تستصغر العيون شأنه ) وتحقره الرجال ، ففرّغ لأولئك ثقتك من أهل الخشية والتواضع ، فليرفع إليك أمورهم ، ثم اعمل فيهم بالأعذار إلى اللّه يوم تلقاه ، فان هؤلاء من بين الرعية أحوج إلى الانصاف من غيرهم . وكلّ فأعذر إلى اللّه في تأدية حقه اليه . وتعهد أهل اليتم وذوي الرقة في السن ممن لا حيلة له ولا ينصب للمسألة نفسه » . فهذا النص يقرر بكل وضوح مبدأ الضمان الاجتماعي ، ويشرح المسؤولية المباشرة للدولة في إعانة الفرد وتوفير حد الكفاية له . ولا يقتصر هذا الضمان على الافراد المسلمين ، بل يمتد إلى الرعايا المسيحيين واليهود من أهل الذمة الذين يعيشون في كنف الدولة الاسلامية ، إذا كبر أحدهم وعجز عن الكسب ، كانت نفقته على بيت المال . فعن الإمام علي ( ع ) أنه مرّ بشيخ مكفوف كبير يسأل . فقال أمير المؤمنين : من هذا فقيل له : إنهّ نصراني . فقال ( ع ) : « استعملتموه ، حتى إذا كبر وعجز منعتموه أنفقوا عليه من بيت المال » . وأما حدود هذا الضمان الذي يجب على الدولة لكل فرد في المجتمع ، فهي عريضة ولا تقتصر على الحاجات الملحة ، بل تمتد إلى تأمين كل حاجاته الأساسية ، بحيث يتمتع بمستوى الكفاية من العيش . والكفاية من المفاهيم المرنة التي يتسع مضمونها كلما ازدادت الحياة العامة يسرا ورخاء . وتزداد حدود هذا الضمان حتى تشمل الطعام والكساء والمسكن ، وكذلك الزواج والحج وكثيرا ما كنا نسمع في التاريخ أن أشخاصا كانوا يأتون الامام فيؤمن لهم عملا أو يشتري لهم دارا ، أو يسعى في تزويجهم ، كل ذلك من بيت المال . ( 1 ) ومن أعظم الأمثلة على هذا الضمان ما حصل في كشمير . فقد ذكر لنا الدكتور أبو الخير العرقسوسي الأستاذ في كلية التربية بجامعة دمشق اليوم ، أنه حين زار باكستان وكان فيها ملحقا ثقافيا لسورية ، أعجب بتمسك الشيعة بنظام الخمس ، فقد أقاموا له الجمعيات المنظمة التي تكفل جمعه وصرفه ، وتبلغ حصيلته عندهم ملايين الملايين كل عام .
--> ( 1 ) كان من المناسب ذكر بعض الشواهد والمصادر لذلك .