مجموعة مؤلفين

305

نهج البلاغة ، نبراس السياسة ومنهل التربية

ولذلك قال الإمام موسى الكاظم ( ع ) لهشام بن الحكم قوله الرائع : « يا هشام ، من أراد الغنى بلا مال ، وراحة القلب من الحسد ، والسلامة في الدين ، فليتضرع إلى اللّه في مسألته بأن يكمل عقله ، فمن عقل قنع بما يكفيه ، ومن قنع بما يكفيه استغنى ، ومن لم يقنع بما يكفيه لم يدرك الغنى أبدا » . فمن العبث أن يقوم مجتمع متوازن يشعر فيه كل فرد بوحدته مع غيره في الحقوق والواجبات ، إذا كان كل واحد يسعى إلى الجشع والحرص والتكالب على الدنيا ، كالبهيمة المربوطة همها علفها . لذلك روضّ الاسلام الذات الانسانية على الزهد بمتع الحياة وماديات الدنيا ، وعلى السعي إلى المعارف الروحية والمرضاة الإلهية . فبقدر ما يرتفع المرء عن الحاجات البهيمية يصبح إنسانا . الحض على الزهد في المال والتحرر من سيطرته : من هنا حض الشارع على الزهد . يقول النبي ( ص ) : « ليكن بلاغ أحدكم من الدنيا كزاد الراكب » . لأن المادة والشهوات غالبا ما تصد عن المعاني الروحية الإلهية . يقول تعالى « قد أفلح من زكّاها . وقد خاب من دسّاها » ( الشمس 10 ) . والزاهد الذي تحرر من علائق المادة والتراب هو أقرب ما يكون من اللّه ، وبذلك تصبح قيمته عند اللّه أعظم من غيره ، وان كانت ملابسه الخارجية رثّة خلقة ، فان اللّه ينظر إلى القلب النظيف وليس إلى الرداء النظيف . يقول النبي ( ص ) : « يا أبا ذر ، ألا أخبرك بأهل الجنة قلت : بلى يا رسول اللّه . قال : كل أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه به ، لو أقسم على اللّه لأبرهّ » . ولو تفحصنا نهج البلاغة لوجدنا نسبة كبيرة منه ( نحو 10 ) تتكلم في الزهد وذم الدنيا . وقد كان الإمام علي ( ع ) أول الزاهدين والمطلّقين للدنيا . حتى أنه رضي من الدنيا باليسير ، فكان طعمه قرصين من الشعير ، ولبسه طمرين باليين . حتى أثر عنه أنه قال : « لقد رقعت مدرعتي هذه حتى استحييت من راقعها » . وإذا كانت قيمة الانسان بمقدار تحرره من الدنيا وقر به من اللّه ، فلقد كان الإمام ( ع ) من أقرب الناس إلى اللّه وأحقهم بالقدسية والشأن . وفي ذلك يقول الشاعر اقبال :