مجموعة مؤلفين
276
نهج البلاغة ، نبراس السياسة ومنهل التربية
مثال الإمام علي ( ع ) : أما الإمام علي ( ع ) فقد ضرب أروع مثل على التحرر الوجداني والطهارة النفسية ، لا سيما وأنه أحد الخمسة أصحاب الكساء الذين قال اللّه فيهم « إنّما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيرا ) ( الأحزاب - 33 ) . وإذا تصفحنا سيرة الإمام ( ع ) وجدناها تنبض بالحرية وتفيض بالتحرر الوجداني الرفيع . لابل انه لم يكتف بتحرير نفسه وتطهيرها من كل علائق المادة والدنيا ، بل قام يعمل جاهدا طوال حياته ليدخر من عرق جبينه الدراهم ، ليشتري بها العبيد فيعتقهم لوجه اللّه تعالى ، حتى توفي ولم يخلف درهما قط . ( 1 ) وكان لا يفتأ يلبس الخشن ويأكل القديد وهو الخبز اليابس . ومن أبلغ أقواله التي تدل على زهده وتحرره ومشاركته لكل فرد في دولته بالمكاره والحرمان ، كتابه الذي وجهه إلى عثمان بن حنيف الأنصاري عامله على البصرة ، وقد بلغه أنه دعي إلى وليمة قوم من أهل البصرة فمضى إليها ، وفيها يقول : « ألا وإنّ لكل مأموم إماما يقتدى به ويستضيء بنور علمه . ألا وان إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه ( أي ثوبيه الباليين ) ومن طعمه بقرصيه ( أي رغيفي الشعير ) . ألا وانكم لا تقدرون على ذلك ، ولكن أعينوني بورع واجتهاد وعفة وسداد ، فو اللّه ما كنزت من دنياكم تبرا ( أي ذهبا ) ولا ادخرت من غنائمها وفرا ، ولا أعددت لبالي ثوبي طمرا . . . » إلى أن يقول ( ع ) : « وانما هي نفسي أروضها بالتقوى لتأتي آمنة يوم الخوف الأكبر ، وتثبت على جوانب المزلق . ولو شئت لاهتديت الطريق إلى مصفّى هذا العسل ، ولباب هذا القمح ، ونسائج هذا القز ، ولكن هيهات أن يغلبني هواي أو يقودني جشعي إلى تخيّر الأطعمة ، ولعل بالحجاز أو اليمامة من لا طمع له في القرص ولا عهد له بالشبع . أو أبيت مبطانا وحولي بطون غرثى وأكباد حرّى أكون كما قال الشاعر : وحسبك داء أن تبيت ببطنة * وحولك أكباد تحنّ إلى القدّ أأقنع من نفسي بأن يقال هذا أمير المؤمنين ، ولا أشاركهم في مكاره الدهر ، أو أكون أسوة لهم في جشوبة العيش فما خلقت ليشغلني أكل الطيبات ، كالبهيمة المربوطة همّها علفها ، أو المرسلة شغلها تقمّمها » . فالإمام عليه السلام لم يكن ليرضى أن يكون همه في الحياة وشغله الشاغل ، التمتع باللذائذ المادية والطيبات من الطعام والشراب ، كما هو حال الحيوانات والبهائم ، لابل ان الانسان أرفع من ذلك ، فلقد خلق ليحمل مبدأ وينشر رسالة ، وتلك هي رسالة
--> ( 1 ) لقد نصّ الإمام الحسن في خطبته بعد وفاة أبيه على أنّ أباه لم يترك سوى سبع مائة درهم أراد أن يشتري بها خادما لأهله .