مجموعة مؤلفين
277
نهج البلاغة ، نبراس السياسة ومنهل التربية
الحق والعدل والمساواة . لقد اكتفى الإمام ( ع ) من دنياه كلها بثوبيه الباليين وبرغيفيه الشعير يقيم بهما أوده ، وما ذا يريد بعد ذلك من حطام الدنيا ولذائذها . لقد روّض نفسه على القناعة والزهد والتقوى ، مما لا يستطيع غيره أن يفعله أن يصبر عليه تطبيقه ، وحري به أن يكون بهذه المنزلة من التحرر الوجداني والسمو النفساني ، لأنه هو القدوة لجميع المسلمين ، وهو الامام لجميع الأنام . لقد كانت تحت تصرفه ( ع ) كل أصناف النعم وكل ألوان الطيبات ، من العسل المصفى والخبز الطازج والحرير الناعم ، ولكنه مع ذلك آثر أن يكون حظه من هذه الماديات كحظ أقل فرد من رعيته ، لأن من أبرز مبادئ رسالته التي قام ينشرها ويطبقها ، المساواة بين الناس ونشر العدالة بينهم ، وتأمين القسط الانساني الضروري لحياتهم ، والرفع من سويتهم المعيشية ، ليصبح الجميع مكتفين وأغنياء ، لا يحتاج أحد منهم إلى أحد . مثال أبي ذر الغفاري : وعلى هذا المنوال الرائد سار الصحابة الأوائل رضوان اللّه عليهم ، الذين لم يبدّلوا ولم يغيروا ، ولم يلههم سلطان ولا مال ، عن تطبيق ما عاهدوا اللّه عليه ، ونشر ما وطّنوا أنفسهم عليه ، ومن أعظم أمثلتهم الصحابي الجليل أبو ذر الغفاري . لقد آمن أبو ذر بالرسالة الجديدة إيمانا عميقا ، حتى اضطرمت الحقيقة في قلبه ، وتلجلج صدره بأنوار التحرر واليقين ، فأصبح يرى كل شيء في هذه الدنيا رخيصا أمام مبدئه ودينه ، فوهب لعقيدته كل ما يملك ، وكل ما أوتي من قوة وعزيمة . ها هو أبو ذر يطوف في ربوع مكة المكرمة ، مجاهرا بمبدئه الحق ، معلنا حربه على العبودية والاستغلال والجهل والضلال . لقد قام يحذّر الناس من مغبّة كنز الأموال ( 1 ) ، ويدعوهم إلى البذل والعطاء والسماحة والمشاركة ، دون أن يضع في حسبانه خوفا من سلطة أو رهبة من قوة . لقد بدأ أول ما بدأ بنفسه يطبق عليها مبادئ هذا البذل والعطاء والمساعدة والمشاركة والعدالة والمساواة . فأنفق كل ما لديه على الفقراء والمساكين ، ثم سار في أرجاء البلاد يدعو الناس إلى ما دعا نفسه إليه ، بكل صمود وتصميم وايمان ويقين .
--> ( 1 ) المقصود هو كنز الأموال من قبل الحكّام وأعوانهم الّذين كانوا يأخذون أموال الدولة وبيت المال لأنفسهم ( كما أوضحه السيد جعفر مرتضى في مقال له حول أبي ذر وطبعت ترجمته الفارسية تحت عنوان : « أبو ذر مسلمان يا سوسياليست » .