مجموعة مؤلفين

254

نهج البلاغة ، نبراس السياسة ومنهل التربية

الجاهلية وطبقاتها . وكأنهم بذلك يسنون للعصر الحديث سنة ( الثورة على الثورة ) . وقد جعلوا من الزهد قاعدة لثورتهم في حب اللّه ورسوله وآله ، وأقاموا زهدهم على جانبين هامين من الاجتهاد : ( العمل في حب اللّه - وطلب معرفته ) . وأمثالهم كان الإمام ( ع ) يصف « طوبى للزاهدين في الدنيا الراغبين في الآخرة ، أولئك قوم اتخذوا الأرض بساطا ، وترابها فراشا ، وماءها طيبا ، والقرآن شعارا والدعاء دثارا . ثم قرضوا الدنيا ( أي تركوها خلفهم ) على منهاج المسيح . » ( 29 ) ولعلنا نستطيع أن نلمح في هذا القول الشريف - الذي جمع بين الزهادة والانقطاع إلي العبادة - بذرة من بذور التصوف الاسلامي الذي ستشهده القرون التالية . - الزهد والصوفية : فتح مثل هذا الباب الواسع في مقالنا يخرجنا من ميدانه ، لكن الموقف يقتضي أن نشير إلى أهم ما يميز زهد الإمام ( ع ) وأصحابه عمّا سميّ من بعد بالتصوف الإسلامي فنحن نرى أنّ زهد الامام تصاعد مع التاريخ مواجها لا معان القيادة السياسية في طغيانها فإذا جمعنا إلى هذا إخفاق تورات أهل النبي استطعنا أن نميز تراجع الجانب أو الوجه العملي الثوري من الزهد وتصاعد الوجه الروحي من مجاهدة النفس إلى تنظيم للرياضة الروحية وإمعان فيها طلبا لمعرفة اللّه . وهكذا تطور مبدأ رفض ما يفتن الحواس إلى رفض حياة الحواس ، لأنّ كل حسّي امتداح للطبيعة وحياة الحواس ارتباط بالطبيعة وهو بالتالي نفي للأخلاق ، فالأخلاق تناضل ضد الطبيعة بقيادة العقل ومثل هذا الكلام يشير إلى أنّ تعابير الفلسفة وأقيستها قد دخلت التصوف من بابه الامامي أما زهد الإمام ( ع ) فقد كان مبنيا على البساطة في المبدأ والصدق في الموقف . - الزهد والرهبانية : على الرغم من قول الحسن البصري : ( رحم اللّه عليا ، كان رهباني هذه الأمة ) فان بعد ما بين الزهد والرهبانية يبقي وجود صلة تأثر بينهما إلا أن يكون رهبانيها من حيث إحاطته بالعلم الذي لم يحط به غيره أو أن يكون التعبير لا يقصد به الدقة العلمية .

--> ( 29 ) شرح ابن أبي الحديد ج 4 ص 286