مجموعة مؤلفين
253
نهج البلاغة ، نبراس السياسة ومنهل التربية
والتعفف عند الطمع لئلا تشغلهم الدنيا ، وسداد البصيرة حتى لا يغلبهم غرورها . ومن رائع سيريه في الزهد حديث ( المدرعة ) التي قال فيها : « واللّه لقد رقعت مدرعتي حتى استحييت من راقعها ، ولقد قال قائل : ألا تنبذها عنك فقلت : أعرب عني ، فعند الصباح يحمد القوم السرى » ( 26 ) فإذا كان عليه السلام يرى الدنيا ممرّا فإن السرى هو الرحلة عبرها ، والصباح يوم الحساب وإنه يرى : « الناس في الدنيا ركب يسار بهم وهم نيام » وحين يستيقظون سوف يعلمون ما كان يعلمه قبلهم فيحمدون ما راض نفسه عليه قبل فوات الأوان ، وهذا مما دعا الرسول الكريم لأن يقول له : « إن اللّه - عز وجل - قد زينك بزينة لم يزين العباد يزينة أحبّ إليه منها ، وهي : زينة الأبرار عند اللّه ، الزهد في الدنيا ، فجعلك لا ترزأ من الدنيا ، ولا ترزأ الدنيا منك شيئا ، وحبّب إليك المساكين ، فجعلك ترضى بهم أتباعا ، ويرضون بك إماما » ( 27 ) فلا هو يصيب منها ولا هي تصيب منه مثله مثل من يعبر نهرا فلا تبتل نعلاه . ولذلك يقول ( ع ) : « من أحبّنا - أهل البيت - فليستعدّ للفقر جلبابا » ( 28 ) 5 - سمات تيار الزهد الثوري الاسلامي : صار لزهد الامام والصحابة السباقين بقيادة الرسول ( ص ) ملامح مذهب ثوري ، وتوضحت هذه الملامح بعد التحاق الرسول بالرفيق الأعلى بقيادة الإمام علي عليه السلام فليس الزهد بأن نجوع ونعرى ولكن بأن نروض النفس ونر بأنها عن أن تطلب ما ليس ضروريا لامساك الرمق . وليست الحياة مطلبا بل هي فرصة للاجتهاد ( ونفهم في الاجتهاد : العمل . والعلم ) . وليست الدنيا نقيض الآخرة بل سبيل إليها . وقد رأينا أنهم لم يتأثروا في ثورتهم بغير القرآن الكريم . وهكذا ثار الزهاد بقيادة الإمام ( ع ) على من يحاولون تمييع ثورية الإسلام وروحيته وتحويلها إلى سياسة وطبقات . كما ثاروا بقيادة النبي ( ص ) على وثنية
--> ( 26 ) الإمام علي عليه السلام للسيد عباس علي الموسوي ص 189 بلا إسناد ( 27 ) الإمام علي عليه السلام للسيد محمد جواد مغنيه ص 188 بلا إسناد ( 28 ) شرح محمد عبده ص 586