مجموعة مؤلفين
252
نهج البلاغة ، نبراس السياسة ومنهل التربية
« ازهد في الدنيا يبصرك اللّه عوراتها ، ولا تغفل فلست بمغفول عنك » ( 22 ) وهكذا فإنه « من اعتبر أبصر ، ومن ابصر فهم ، ومن فهم علم » ( 23 ) - تسلسل رائع يحمل الانسان على أخذ نفسه بالرياضة ، بالتدرب على الزهد . العبرة نقود إلى الزهد والزهد إلى البصيرة الواعية ، والبصيرة إلى الفهم ، فهم ما فطرت عليه الدنيا وفهم ثوابها وعقابها ، ثمّ إلى العلم . . . - فإن لم يكف الانسان كلّ هذا ليعتبر فيبصر فانّ أمامه من القدوة ما يفتح القلب العمي ، أتظن أيها الانسان أن في الزهد مذلة لو كان كذلك ما رضيه الله لأنبيائه وإن كان الزمن قد باعد بيننا وبينهم ففي الكتاب خبرهم وإن لم يردنا خبر الكتاب ففي سيرة النبي ( ص ) أحسن قدوة « وقد كان - صلى اللّه عليه وآله - يأكل على الأرض ، ويجلس جلسة العبد ، ويخصف بيده نعلة ، ويرفع بيده ثوبه . . . » ( 24 ) وما سيرة الإمام عليه السلام إلا استمرار لسيرة النبي ( ص ) . لذا جعل منها درسا عظيما شاملا في المدرسة الشاملة وهذا الدرس يفرضه كونه في محل قطب الرحى من قيادة المؤمنين ، ومولاهم جميعا « اللهمّ من كنت مولاه فعليّ مولاه » وهو مرجعهم بعد غياب النبي ( ص ) ، وحجة اللّه على خلقه . وهو في ذلك كلهّ المثل الاعلى لهم والقدوة التي لا تدرك ، وقد حفلت كتب التاريخ والسيرة بأخبار زهد المعجز ، وحفلت خطبه بدروس الاقتداء حتى أنه يصرح بواجب اقتدائهم بسيرته فها هو ذا يكتب إلى عثمان الأنصاري عامله على البصرة : « ألا وإنّ لكلّ مأموم إماما يقتدي به ويستضي بنور علمه ، ألا وإنّ إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه ومن طعمه بفرصيه . ألا وإنكم لا تقدرون على ذلك . ولكن أعينوني بورع واجتهاد وعفة وسداد » ( 25 ) ها هي ذي سيرته فدوة لعماله ورجاله ولكنّ صبره معجز لا يستطيعونه ، ولا يريد أن يحملهم على المشقة ، فليأخذوا أنفسهم بما يجب أن يتّصف بها كلّ حاكم الورع عن الحرام لأنه يصد عن الحق ، والاجتهاد في طلب العلم والثواب لكيلا بطول الامل ،
--> ( 22 ) شرح محمد عبده ص 646 ( 23 ) تصنيف نهج البلاغة ص 389 ( 24 ) تصنيف نهج البلاغة ص 284 ( 25 ) شرح محمد عبده ص 505