مجموعة مؤلفين
251
نهج البلاغة ، نبراس السياسة ومنهل التربية
عناؤها ولا يركد بلاؤها » ( 18 ) يكثر مثل هذا الوصف في خطب الإمام ( ع ) للدنيا ، وفي مواضع كثيرة من نهج البلاغة فيأتي بأدق الوصف وأعمق التحليل لأحوالها بأساليب بلاغية رائعة ، وقد ورد ذمّ الدنيا فيما ينوف على خمسين خطبة أو حديثا له عليه السلام ، ونستطيع أن نجمل الصفات الواردة للدنيا بما يلي : الإغراء والغرور ، إشرافها علي الزوال ، الخير فيها مشوب بالشر ، تربّص دهرها بأهلها ، سوء عاقبة الركون إليها ووعورة مركبها صغر شأنها عند اللّه . . . إلخ . - ولكنّ الدنيا لا تقصر في مكاشفة الانسان العبرة والعظة : ف « ما أكثر العبر وأقلّ الاعتبار » ( 19 ) وذمّ الإمام لها ليس هدفا بل إمعانا في التنبيه والتحذير وطلبا للعظة والاعتبار فهو يصفها لمن يذمها قائلا : « اتغتر بالدنيا ثمّ تذمها » ثمّ يقول : « إنّ الدنيا دار صدق لمن صدقها ، ودار عافية لمن فهم عنها ، ودار غنى لمن تزوّد منها ، ودار مواعظ لمن اتّعظ بها » ( 20 ) كلّ أولئك واجد فيها مبتغاه . روى ابن أبي الحديد عن بعض الكتب الإلهية القديمة أنّ اللّه سبحانه قال لها : « يا دنيا من خدمني فاخدميه ومن خدمك فاستخدميه » فهي لا تناصب خليفة الخالق العداء ، ولا تنصب له شباك الهلاك . ولكنهّ يراها ولا يبصرها يقوده هواه فيقع في حبائلها . « حقا أقول : ما الدنيا غرتك ولكن بها اغتررت ، ولقد كاشفتك العظات ، وآذنتك على سواء ، ولهي - بما تعدك من نزول البلاء بجسمك ، والنقص في قوتك - أصدق وأوفى من أن تكذبك أو تغرك » ( 21 ) إنها تقدّم له العظة تلو العظة بما يبتلى به غيره أو بما يبتلى به هو ، وما عليه إلا أن يقرأها كما يقرأ في الكتاب فيتعظ ويعتبر ، فما غاية العظة - يكفي أن يتعظ بمصير السابقين وفيهم من بلغ من الغنى أو السلطان حدا عاليا ليذكر أنه لا حق بهم لا محالة ، وعندها يزهد في عرضها وبالزهد يزداد بصيرة .
--> ( 18 ) شرح ابن أبي الحديد ج 3 ص 182 ( 19 ) شرح محمد عبده ص 626 ( 20 ) شرح ابن أبي الحديد ج 4 ص 304 ( 21 ) شرح ابن أبي الحديد ج 3 ص 78