مجموعة مؤلفين
250
نهج البلاغة ، نبراس السياسة ومنهل التربية
يهون علينا فراقها إلا الزهد فيها ومبادرة الفراق قبل حلوله ، فلنستقبلها بما تودعنا به من إعراض وقلة احتفال . وكيف يكون الرفض هل هو رفض لكل ما فيها وهروب من مسئولياتنا فيها من عمل وجهاد وطلب للعلم ونشر لدين اللّه - إن الدنيا في خطب الإمام ( ع ) مثلها في القرآن الكريم والحديث الشريف ، ليست نقيض الآخرة بل سبيل إليها ، هي دار ممر وابتلاء وتزود ولذا كان يقول : « إنما الدنيا دار مجاز ، والآخرة دار قرار ، فخذوا من ممرّكم لمقركم ، ولا تهتكوا أستاركم عند من يعلم اسراركم ، وأخرجوا من الدنيا قلوبكم قبل أن تخرج منها أبدانكم ، ففيها اختبرتم ولغيرها خلقتم » ( 15 ) إنه رفض الحذر المتحرر من سلطانها ، رفض من يريدها تسلس قيادها له ولا يسلس قياده لها ، لان إسلاس القياد للدنيا مهلكة لأنها حافلة بألوان الغرور « حلوة حضرة ، حفّت بالشهوات ، وتحببت بالعاجلة ، وراقت بالقليل ، وتحلّت بالآمال وتزيّنت بالغرور » ( 16 ) إنّ في خضرتها لفتنة ، وان في شهواتها لقوة ، تطلّ على الانسان من كلّ باب وتعترض سبيله متبرجة ، وتسنح له مع كلّ سانحة ، حتى نوقظ الغرائز وتؤلب الأهواء ، وتخدع البصيرة ، فلا ينجو من غرورها إلا من أوتي صبرا عظيما « كمثل الحيّة لين مسّها ، والسمّ النافع في جوفها ، يهوى إليها الغرّ الجاهل ويحذرها ذو اللب العاقل » ( 17 ) - لا ينخدع بها ذو اللب لأنه يدرك غدرها ، وغدرها نتيجة محتومة لسرعة تقلبها ، فما يكاد الإنسان يأنس بها ويستطيب طيبها حتى تفجعه بما استهواه وملك عليه لبهّ ، لذلك أفاضت خطبه عليه السلام بعرض هذه الصفة من صفات الدنيا محذرة ومكررة فهي تارة : « لا ندوم حبرتها ، ولا تؤمن فجعتها ، غرارة ضرارة ، حائلة زائلة نافدة بائدة » تابع ( 18 ) ومن صفاتها تارة أخرى : « فإنها غدارة غرّارة خدوع ، معطية منوع ، ملبسة نزوع ، لا يدوم رخاؤها ، ولا ينقضي
--> ( 15 ) شرح ابن أبي الحديد ج 3 ص 2 ( 16 ) شرح ابن أبي الحديد ج 2 ص 238 ( 17 ) شرح محمد عبده ص 587 ( 18 ) شرح ابن أبي الحديد ج 2 ص 238