مجموعة مؤلفين
249
نهج البلاغة ، نبراس السياسة ومنهل التربية
- ومن ثمّ جاءت موعظة الإسلام تضيء جادة اليمين وتحذر من جادة الشمال فتصف المؤمنين في الدنيا بالورع والتقوى والإيثار والتواضع والرحمة والزهد في الدنيا وتصفهم في الآخرة متكئين على الأرائك تشع وجوههم نضرة ونفوسهم غبطة ينظرون إلى وجه اللّه وقد رضي اللّه عنهم ورضوا عنه . وتصف الكافرين على النقيض من ذلك في الدنيا والآخرة فإذا بأصحاب النبي ( ص ) الأوائل يشتعلون حماسة للقاء وجه ربهم ويأخذون أنفسهم بكل ما يقربهم من اللّه من صفات أسبغها القرآن الكريم على المؤمنين المقربين فإذا هم زهاد في الدنيا على أروع ما يكون الزهد حالا وإمامهم في ذلك بعد النبي عليّ عليه السلام يقرءون القرآن وكأنه نداء روحي يفجر في نفوسهم العجائب . - وبعد غياب الرسول ، وتحسن حال المسلمين وتهافت أكثرهم على الدنيا صار الزهد ضرورة لا بدّ منها فراح الصابرون منهم يتخذون منه شعارا بل مبدأ ثوريا في ملحمة الاسلام يرفعونه في وجه زعامة المسلمين التي تهاونت أو تواطات مع ذلك الانحدار الخطير في مسار رسالة محمد وراحت خطب الإمام ( ع ) تحفزهم وتنطق باسمهم ، ولمعت أسماء سلمان المحمدي ، وأبي ذر الغفاري وحذيفة بن اليمان . . . وبدأ الزهد يتخذ طابع تيار ثوري ضمن مدرسة الاسلام وأخذت أسسه تتبلور من خلال خطب الإمام ( ع ) وسيرته وأصحابه . 4 - وسائل الزهد : لم يأل للإمام علي ( ع ) جهدا في دعوة الناس إلى الزهد . وفي خطبة الشريفة أساليب متعددة لهذه الدعوة بين نصائح مباشرة أو دعوة إلى الاعتبار والتبصر أو ذم للدنيا وتهوين لشأنها في مقابل تعظيم الآخرة . ولكنّ أروعها اتخاذه من نفسه وسيرته نبراسا يضيء لهم طريقهم . فمن مواعظه المباشرة : « أيّها الناس انظروا إلى الدنيا نظر الزاهدين فيها ، الصادقين عنها » ( 13 ) « عباد اللّه أوصيكم برفض الدنيا التاركة لكم ، وإن لم تحبّوا تركها » ( 14 ) ولعلّ القول الثاني يوضح المقصد من القول الأول ، إنّها ستتركنا غير عابئة بنا ولن
--> ( 13 ) شرح ابن أبي الحديد ج 2 ص 196 ( 14 ) شرح ابن أبي الحديد ج 2 ص 186