مجموعة مؤلفين
246
نهج البلاغة ، نبراس السياسة ومنهل التربية
الحقّ ، وأما طول الامل فينسي الآخرة » ( 6 ) وما دام طول الامل ينسى الآخرة ولا زهد مع نسيان الآخرة ، فلا زهد بلا قصر الامل ، ويزداد الامر وضوحا ورسوخا بقوله عليه السلام : « الزهد كلهّ بين كلمتين : قال سبحانه : « لكيلا تأسوا على ما فاتكم » ، ولا تفرحوا بما آتاكم ومن لم يأس على الماضي ، ولم يفرح بالاني فقد أخذ الزهد بطرفيه » ( 7 ) أفلا يعني هذا أن قصر الأمل في الدنيا يشكل القاعدة الهامة التي يقوم عليها الزهد إنه ليذكرنا بتقسيمه للناس أمام الجنة والنار إلى ثلاثة : ساع سريع نجا ، وبطيء رجا ، ومقصر هوى . أما الزاهد العابد الذي أخذ الزهد بطرفيه فقد سعى إلى الآخرة سريعا فنجا ، وأما البطيء الذي عاقت الدنيا سعيه فراخ يغالبها صابرا شاكرا فقد رجا رحمة اللّه ومن لم يفر بشيء مما سبق فقد هوى . مبادئ بسيطة يقوم عليها الزهد في مدرسة الامام المنبتقة من مدرسة الإسلام إذا اجتمعت بلغ بها الزاهد مرتبة الكمال البشري وإن لم تجتمع بلغ ما دون ذلك . فليس الامر معجزا ، ولا هو وليد تأويلات فلسفية كما سنرى في الصوفية ، بل هو مدرسة نتعلم فيها الاهتداء إلى جادة العبور من الدنيا إلى الآخرة . وبالبساطة نفسها يجلو الإمام ( ع ) الصلة بين الدنيا والآخرة : « الدنيا دار ممر ، لا دار مفرّ » ( 8 ) أو « إنما الدنيا دار مجاز ، والآخرة دار قرار ، فخذوا من ممرّكم لمقركم . . . » ( 9 ) الرحلة شاقّة لما حفّت به من بهارج ، والدرب كثيرة المزالق والمداحض . فمن اجنازها جادا إلى قصده . لم يثنه جمال المشهد عن طلب المرام ولم يشغله جمال الرياض وألوان الجبال إلّا بقدر ما يخفف من وعثاء السفر ولم يحزنه فوتها ما دام يقترب من القصد . أما من اجنازها بطيئا فسوف يشغله ما حفّ بها عن السعي الجاد . « فإنهّ الدنيا مشغلة عن غيرها ، ولم يصب صاحبتها منها شيئا إلا فتحت له حرصا عليها » ( 10 )
--> ( 6 ) شرح محمد عبده الصفحة 100 ( 7 ) تصنيف نهج البلاغة ص 416 ( 8 ) شرح محمد عبده ص 591 ( 9 ) شرح ابن أبي الحديد ج 3 ص 2 ( 10 ) شرح ابن أبي الحديد ج 4 ص 184