مجموعة مؤلفين
247
نهج البلاغة ، نبراس السياسة ومنهل التربية
يمكن أن نعرف ( الزهد ) هنا بأنه ذلك النضج العقلي أو السمو الإنساني الذي بلغ بصاحبه ذروة من الكمال يطلّ منها على الدنيا فتبدو لعين عقله أقلّ شانا من أن يشغله عن حقيقته الأزلية وهي صلته بالخالق وشوقه إلى وجهه ، أو بعبارة أبسط : يبدو كل ما فيها وسيلة والآخرة هي الغاية ، عملا بالآية الكريمة : « وابتغ فيما آتاك اللّه الدار الآخرة . ولا تنس نصيبك من الدنيا » 2 - من الزاهد بعد أن نبيّنا جادة الصواب في الزهد ، يجدر بنا أن نبحث عن صورة لحياة الزاهد في الدنيا ، فربما قدّم لنا الوصف مزيدا من وضوح النهج أمامنا ، وقد ورد في كتاب النهج وصف الزهاد في أكثر من موضع ولكنّ أوجزه وأشملة ما جاء في : « كانوا قوما من أهل الدنيا وليسوا من أهلها ، فكانوا فيها كمن ليس منها ، عملوا فيها بما يبصرون ، وبادروا فيها ما يحذرون ، تقلّب أبدانهم بين ظهراني أهل الآخرة ، ويرون أهل الدنيا يعظمون موت أجسادهم ، وهم أشد إعظاما لموت قلوب أحيائهم » ( 11 ) الزاهد : من أهل الدنيا ، يعيش جسديا على الخبز والماء والهواء . وليس من أهلها فيما عدا ذلك فهو مشغول بالآخرة انشغالهم بالدنيا . يفتدى بعقله ( بصيرته ) افتداءهم بأهوائهم ، يطلب الموت بمقدار ما يفرون منه لأنه مطمئن إلى ما بعده وهم خائفون ، عصم بدنه عن ملاذّها ونذره للآخرة بقدر ما اعرفوا أبدانهم بالمتع ، فهان عنده موت الجسد بقدر ما عظم عندهم ، واستعظم رسوخ قلوبهم في الدنيا بقدر ما غرقوا في الغفلة . وكأنّ الغربة في الدنيا صارت شعبة من شعب الزهد . وهذا مصداق الحديث الشريف : « الدنيا سجن المؤمن وجنّة الكافر » ونقرأ - في هذا - القاعدة الأساسية لحياة الزاهد لا جملة أخلاقه ومبادئه وفضائله التي سنعود إليها في بحث سمات زهد الإمام ( ع ) 3 - نشأة الزهد : كلّ حلقات الدين السماوي ، وجلّ العقائد الوثنية . حثّت الانسان على الخير
--> ( 11 ) شرح ابن أبي الحديد ج 3 ص 183