مجموعة مؤلفين

244

نهج البلاغة ، نبراس السياسة ومنهل التربية

- الثانية : وهي أنّ عليّ بن أبي طالب عليه السلام المعلم الثاني فيها ، وخطبة الشريفة التي يضمّ معظمها كتاب ( نهج البلاغة ) هي الكتاب الثاني فيها . علي عليه السلام ربيب بيت النبوة ، عرف التوحيد قبل المؤمنين بسنين وعبد اللّه مع محمد ( ص ) قبل الدعوة ، وأوتي من علم الكون تسعة أعشار وكلّ الناس عشرا ، لم يكن تلميذ النبي وابن عمة فحسب بل كان منه كما قال صلاة اللّه عليه وآله : « عليّ مني بمنزلة رأسي من جسدي » ( 1 ) ولم يكن حافظا للقرآن الكريم فحسب أو عالما لأسراره يؤقر سبعين جملا من سورة الفاتحة فقط ، بل كان « علي مع القرآن ، والقرآن مع علي ، لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض » ( 2 ) ولا نبالغ إذا قلنا إن الحديث الشريف لا يجعله تابعا للقرآن بل صنوا له إذا كلاهما تابع متبوع . وأمام هذا الحديث الذي ( وما ينطق عن الهوى ) يصغر قول الخليل بن أحمد : ( احتياج الكلّ إليه ، واستغناؤه عن الكل ، دليل على أنه إمام الكلّ في الكل ) ( 3 ) فلا عجب أن يكون الإمام علي عليه السلام مدهشا للدارسين على اختلاف عقائدهم ومشاربهم فما يكاد الواحد منهم يقترب من بحره حتى يقدم لدراسته أو كتابه بالتعبير عن شعور بالهيبة وكأنه أمام محيط زاخر لا يعرف أني يخوض ولا كيف يخرج . بمثل هذا الشعور سنحاول قراءة ( الزهد ) كجانب من شخصيته عليه السلام من خلال خطبة وأقواله التي يضمها كتاب نهج البلاغة الذي كان للشريف الرضي - طيب اللّه ثراه - فضل جمعه ، وهو ما زال فينا كتابا لم نقرأه حقّ القراءة ، ونبراسا لم نستض ء به حق الاستضاءة . محاولين التزام الكتاب دون التاريخ والاخبار ، نظرا لوفرتها ولأننا لن نستطيع الإتيان بشيء منها إلا مكرورا . ما مفهوم الزهد عنده أهو خلق معجز لا نستطيع بلوغه أم مدرسة نتعلّم منها قدر ما تستطيع أهو خضم فلسفة أم جادة صواب أم ثورة روحية ما وسائله ما سماته ما غايته أين الرهبانية والصوفية منه .

--> ( 1 ) إمامة علي ( ع ) الصفحة 99 نهج البلاغة شرح ابن أبي الحديد نقلا عن ذخائر العقبى ( 2 ) إمامة علي ( ع ) الصفحة 110 نهج البلاغة شرح محمد عبده نقلا عن كتاب معرفة الصحابة ( 3 ) تصنيف نهج البلاغة للسيد لبيب بيضون الصفحة 7 . بلا إسناد