مجموعة مؤلفين
220
نهج البلاغة ، نبراس السياسة ومنهل التربية
به الاعتزال وعدم الاختلاط . وان كان حجاب الرأس هو واجب أيضا بنص القرآن الحكيم . يقول تعالى عن الحجاب الأول مخاطبا نساء النبي اللواتي هنّ قدوة المسلمات : « وقرن في بيوتكنّ ، ولا تبرّجن تبرّج الجاهلية الأولى ، وأطعن الله ورسوله » ويقول سبحانه عن حجاب الرأس « يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهنّ من جلابيبهنّ ، ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين ) ( سورة الأحزاب 59 ) . ثم يؤكد على لزوم ستر العنق وما يليه من الصدر وهو الجيب فيقول « وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن الا ما ظهر منها ، وليضربن بخمرهنّ على جيوبهن » ( النور - 32 ) والمقصود بالزينة الظاهرة ما تظهره المرأة من جسمها حال الصلاة ، وهو الوجه الوضوئي واليدين إلى الزندين والقدمين إلى الكعبين . ( 1 ) ثم قال الإمام ( ع ) : « وليس خروجهن بأشدّ من إدخالك من لا يوثق به عليهن » فهو ( ع ) يقول : « ان خروج النساء من البيت أهون من دخول شخص غير موثوق عليهن ، لأن من تكون هذه صفته يتمكن من الخلوة معهن في البيت بدون رقيب ، بينما لا يتمكن من ذلك إذا رآهن في الطريق . ورغم ان المشرع الحكيم سمح للمرأة بالخروج من بيتها في حالات الضرورة والحاجة ، فان الإمام ( ع ) شدّد كثيرا على هذه الناحية ، لتقديره المفاسد الكبيرة التي تنشأ عن اختلاط النساء بالرجال ، كما هو في عصرنا لحاضر . ولذلك قال ( ع ) : « وإن استطعت ألا يعرفن غيرك فافعل » . ورغم أن الخطاب في هذه الوصية هو للإمام الحسن ( ع ) فهو غير موجه اليه بقدر ما هو موجه لعامة المسلمين ، لأن عقيلات أهل البيت كنّ أشدّ الناس تمسكا وتطبيقا لتعاليم الشريعة . ( 2 ) روى ابن شهرآشوب في المناقب أن النبي ( ص ) قال لفاطمة ( ع ) : « أي شيء خير للمرأة قالت : أن لا ترى رجلا ولا يراها رجل . فضمّها اليه وقال : ذرية بعضها من بعض » . وقد أثر عن زينب العقيلة ( ع ) أنها كانت لا تعرف من باب دارها غير وجهه الداخلي . وكانت عندما تضطر إلى مغادرة بيتها ، تخرج ليلا محجبة ومعها الحسن ( ع ) عن يمينها والحسين ( ع ) عن شمالها ، وأبوها أمير المؤمنين أمامها . وقد كانت مولاتنا سكينة بنت الإمام الحسين ( ع ) شبيهة بجدتها فاطمة الزهراء ( ع ) ، فكانت منقطعة إلى العبادة ودائمة الاتصال مع اللّه ، لا تغادر بيتها ولا تلتفت عن مسجدها . حتى أنه لما خطبها ابن عمها الحسن المثنى بن الإمام الحسن ( ع ) قال له أبوها الحسين ( ع ) : « أعطيك فاطمة بنتي فهي كأمي الزهراء في العبادة ، أما
--> ( 1 ) البحث المتقدم فقهي ، فيه الكثير من الأخذ والردّ بين الفقهاء . وما ذكره المؤلّف هنا هو ما رآه مناسبا بحسب سياق بحثه هذا . ( 2 ) لا ريب في أن من الخير للمرأة هو أن لا ترى الرجل ولا الرجل يراها كما قررته الصديقة الطّاهرة فاطمة الزهراء عليها السّلام في مقام جوابها لسؤال أبيها الرسول الأكرم ( ص ) لها عن ذلك . . . ولكن ذلك ليس هو كلّ ما ينبغي أن يقال في هذا المجال . . . وإلّا . . . فإنّ المقامات والأحوال تختلف . . . فقد يفرض الواقع الموضوعي على المرأة أن تقف مع الرجل جنبا إلى جنب لتسجل موقفا نضاليا ورساليا يدفع اليه التكليف الشرعي وضرورة الحفاظ على حياة الاسلام وعلى حيويتّه ، وعلى حدوده وثغوره . . . ولأجل ذلك نجد « فاطمة الزهراء » ومن بعدها ابنتها العقلية « زينب » وسواهما من عقائل الرسالة يشاركن في تسجيل مواقف رساليّة وسياسيّة علنيّة وفي ملأ من الناس . . . مع عدم التّخلي عن الالتزام بالحجاب وعدم الإخلال به . . . وإذن فانّ من المناسب إلفات نظر القارئ إلى أنّ الظروف تختلف وتتفاوت وتبعا لها يحصل الاختلاف والتفاوت في الوظيفة الشرعية الإلهية التي لا بدّ من التزام بها وأدائها على النحو الأفضل والأكمل . . .