مجموعة مؤلفين
202
نهج البلاغة ، نبراس السياسة ومنهل التربية
والنفع ، فهي معطلة عن غايتها التي أوجدت من أجلها . وقال بعض الحكماء : ان العقل جوهر بسيط . وقال آخرون : هو جسم شفاف ومحله الدماغ . وقال بعض العلماء : إن محله القلب . ويستدل هؤلاء بأن العقل لم يذكر في القرآن بل ذكر محله القلب ، كما في قوله تعالى : « أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها ، أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها ، فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ » ( سورة الحج - 46 ) ويؤيد هذا المعنى قول الإمام ( ع ) : « العقل في القلب ، والرحمة في الكبد » . ويمكن التوفيق بين المعنيين السابقين للعقل بأن نعتبر للعقل معنيين ومركزين : الأول : العقل بمعنى المعرفة والعلم ومركزه الدماغ . الثاني : العقل بمعنى الإرادة والامر ومركزه القلب . ويعتبر العقل الأول مركز العلم ، بينما يعتبر العقل الثاني مركز الحكمة . والحكمة بالتعريف وضع الشيء في موضعه الصحيح . فكم من عالم عاقل ، ولكنه لا يتصرف التصرف السليم ، ولا يقدر عواقب الأمور ، ولا يعمل لفائدته ومصلحته . فالقلب السليم هو الذي يوصل صاحبه إلى السعادة في الدين والدنيا ، وفي الآخرة والأولى . ولذلك قال سبحانه « إِلّا مَنْ أَتَى اللّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ » ( سورة الشعراء - 89 ) وبما أن القلب هو مركز الإرادة ، فهو أفضل بضعة في الانسان ، إذا سار في الاتجاه القويم ، الذي هو طريق الحكمة ، ولم يقع تحت سيطرة الشهوات والنزعات التي تصرفه عن سبيل الحكمة ، وتحرفه عن جادة الاعتدال . التباين بين عقل المرأة وعقل الرجل : وإذا كنا في صدد البحث في التباين بين عقل المرأة وعقل الرجل ، فإننا نجد هذا التباين في مستويات : 1 - في مستوى التمييز بين الخير والشر والنافع والضار . فالتمييز في الأمور الأساسية متساو بين الناس مصداقا لقوله تعالى : « وَنَفْسٍ وَما سَوّاها فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها » ( الشمس - 8 ) . اما في الأمور الفرعية والدقيقة فمستوى التمييز يختلف من إنسان لاخر . وقد ورد في اخبار أن اللّه وزّع العقل على الرجال ، فبعضهم على مرتبة وبعضهم على مرتبتين وبعضهم على ثلاث وبعضهم على اربع . والأنبياء من هذه الناحية هم في أرفع