مجموعة مؤلفين

201

نهج البلاغة ، نبراس السياسة ومنهل التربية

متابعة هواه ويمنعه من الاتيان بالأعمال السيئة . وقد عرّف بعضهم العقل بأنه القوة المهّيئة للعلم . لكنه حسب التعريف الأول لا يقتصر على العلم ، بل هو الدافع إلى العمل بمقتضى العلم ، فإذا علم الخير دفع صاحبه اليه ، وإذا عرف الشر نهاه عنه . وهذا هو المعنى الذي قصده الشارع وتضمنه الحديث النبوي السابق ، وهو ما قصده الإمام ( ع ) بقوله : « العقل ما اكتسب به الجنة » فكل عقل مهما ملك من قدرات في العلم والفهم والتمييز والذكاء ، ثم لم يوصل صاحبه إلى فعل الخير واكتساب الفضائل التي تورده الجنة ، فليس بعقل . وقد ورد العقل بمعنييه السابقين في القرآن والحديث . فإلى المعنى الأول أشار النبي ( ص ) في الحديث النبوي السابق . وإلى المعنى الثاني أشار ( ص ) بقوله : « ما اكتسب أحد شيئا أفضل من عقل يهديه إلى هدى أو يردعه عن ردى » . وقال أمير المؤمنين ( ع ) : « كفاك من عقلك ما أوضح لك سبل غيّك من رشدك » . أما في القرآن ، ففي كل موضع رفع فيه التكليف عن العبد لعدم العقل ، فإشارة إلى المعنى الأول . وفي كل موضع ذم اللّه فيه الكفار بعدم العقل فإشارة إلى المعنى الثاني . . . كقوله تعالى : « وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ » ( سورة العنكبوت - 43 ) وكقوله سبحانه : « إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ » ( سورة الأنفال - 22 ) وكثيرا ما كان القرآن يؤنّب الكافرين بأنهم يملكون عقولا ولكنهم لا يستعملونها . يقول جل من قائل : « أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ . إِنْ هُمْ إِلّا كَالْأَنْعامِ ، بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا » ( سورة الفرقان - 44 ) . ويقول سبحانه : « وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ ، لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها ، وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها ، وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها . أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ، أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ » ( سورة الأعراف - 178 ) والمقصود بهذه الآية أن لهم قلوبا وأعينا وآذانا ، ولكنهم لا يستخدمونها في الخير