مجموعة مؤلفين

175

نهج البلاغة ، نبراس السياسة ومنهل التربية

« فيا عجبا عجبا - واللّه - يميت القلب ويجلب الهم من اجتماع هؤلاء القوم على باطلهم ، وتفرقكم عن حقكم » ( 1 ) واستنكر الحق « فإن أكثر الحق فيما تنكرون » ( 2 ) واستعيض عنه بالباطل وقديما فعل وأصبح الحق غريبا في أوطانه « والذي نفسي بيده ليظهرن هؤلاء القوم عليكم ليس لأنهم أولى بالحق منكم ، ولكن لأسراعهم إلى باطل صاحبهم ، وإبطائكم عن حقي » ( 3 ) وازداد أنصار الحق تخاذلا وإبطاء وتفرقا حتى شنت عليهم الغارات وملكت عليهم الأوطان وحاول الحق النهوض بلا جناح فسقط كصاحب الجناح المهيض . عاد يؤاسي جراحه بكبريائه المعهود : « ولقد أصبحت الأمم تخاف ظلم رعاتها ، وأصبحت أخاف ظلم رعيتي » ( 4 ) فنفسه تتمزق حسرات ، كتمزيق الحق نفسه ، فهما صنوان لا يفترقان . وللإصلاح مجال ولكنه مشوب بمحاوزة الحق وهيهات أن يرقع الحق بجرثومة فساده « كناقش الشوكة بالشوكة ، وهو يعلم أن ضلعها معها » ( 5 ) « الذليل واللّه من نصرتموه . . . وإني لعالم بما يصلحكم ويقيم أودكم ، ولكني لا أرى إصلاحكم بإفساد نفسي » ( 6 ) أبى له كبرياؤه أن يتنزل لحظة عن رفيع منزلته ويحكم الأبد . « فالحياة في موتكم قاهرين ، والموت في حياتكم مقهورين » واستحب ضعاف النفوس الموت في الحياة على الحياة في الموت فرضوا عيشة الذل والهوان وتفرقوا عن الحق أيدي سبا . « وأحثكم على جهاد أهل البغي فما آتي على آخر قولي حتى أراكم متفرقين أيادي سبا » ( 7 ) ولم يبق سواه غريبا في أرضه ومضطهدا في أوطانه فاختار الحياة في الموت القاهر ، والخلود في الوطن الثائر .

--> ( 1 ) - خطبة - 27 - ( 2 ) - خطبة - 87 - ( 3 ) - خطبة - 97 - ( 4 ) - خطبة - 97 - ( 5 ) - خطبة - 121 - ( 6 ) - كلام - 69 - ( 7 ) - خطبة - 97 -