مجموعة مؤلفين
163
نهج البلاغة ، نبراس السياسة ومنهل التربية
يرسم الإمام ( ع ) النقطة الثانية جنب رفيقتها داخل الإطار فيبدع التصوير . فرشته عطاء نفس . وألوانه مداد قلب . وتصويره بلاغة لسان . « فأطفئوا ما كمن في قلوبكم من نيران العصبية ، وأحقاد الجاهلية ، فإنما تلك الحمية تكون في المسلم من خطرات الشيطان ونخواته ، ونزغاته ، ونفثاته . واعمدوا وضع التذلل على رؤوسكم ، وإلقاء التعزر تحت أقدامكم ، وخلع التكبر من أعناقكم » فإطفاء نيران العصبية وأحقاد الجاهلية تقتل نوازع الشيطان وتحمى المرء من الوقوع في حبائله ، بينما يرتفع بالإنسان تواضعه مراتب الكمال والعزة . لان المتكبر تهوي به خصاله في واد سحيق من الذلة والمهانة كما يصوره ( ع ) : « ولا تكونوا كالمتكبر على ابن أمه من غير ما فضل جعله اللّه فيه سوى ما ألحقت العظمة بنفسه من عداوة الحسد ، وقدحت الحمية في قلبه من نار الغضب ، ونفخ الشيطان في أنفه من ريح الكبر الذي أعقبه اللّه به الندامة . وألزمه آثام القاتلين يوم القيامة » فالتكبر يثير روح الحقد والحسد والبغضاء . ويبعث حمية الانتقام من الفضائل بافناء شخص حاملها . بينما التواضع يرفع صاحبة إلى مقام المتكبر الجبار ليستمد منه القوة ، ويحمي به ضعفه ، فيزداد كمالا وعبودية ليجبر ضعفه ويسد نقصه ، ويفترق التكبر عن التواضع في وحدة الهدف ، واختلاف المسير . فذا يستر ضعفه ويسد نقصه بالتماس القوة والمعونة من مالكها ، فيذل له نفسه ويتواضع طلبا للقوة والكمال . وذا يتكبر ويتجبر وينازع مالكهما سلطانه ليسد نقصه وضعفه ، فيهوي في حنادس الليل البهيم ، وظلام الجهل المقيت . « ألا وقد أمعنتم في البغي ، وأفسدتم في الأرض ، مصارحة للهّ بالمناصبة ، ومبارزة للمؤمنين بالمحاربة . فاللهّ ، اللّه في كبر الحمية وفخر الجاهلية ، فإنها ملاقح الشنآن ، ومنافخ الشيطان التي خدع بها الأمم الماضية » فالاجتناب عن هذه المزالق يوصل إلى بغى النفس ويرفعها إلى أسمى مرتقى من الشعور الإنساني ، ملتحقة بالرعيل الأول الذين بلغوا السماء رفعة ومجدا بتواضعهم ومفارقتها تهوى بها ( خلاف رغبتها وتتركها تتخبط ) في ملاقح الشنآن ومنافخ الشيطان .