مجموعة مؤلفين
164
نهج البلاغة ، نبراس السياسة ومنهل التربية
« ألا فالحذر الحذر من طاعة ساداتكم وكبرائكم الذين تكبروا على حسبهم ، وترفعوا فوق نسبهم ، وألقوا الهجينة على ربهم ، وجاهدوا اللّه على ما صنع بهم . مكابرة لقضائه ومغالبة لآلائه ، فإنهم قواعد أساس العصبية ، ودعائم أركان الفتنة ، فاعتبروا بما أصاب الأمم المستكبرين من قبلكم من بأس اللّه وصولاته » . فالمستكبرون نازعوا اللّه سلطانه وألقوا الهجينة عليه وزاموا سد خللهم وستر نقصهم بالمجاحدة والمكابرة فأذاقهم لباس الذلة والخوف ورمى بهم في عذاب شديد . وأما المتواضعون فكانوا خيرة اللّه يسمو بهم ضعفهم إلى قربه ويحلهم المحل الاعلى بجنبه أيستمدون منه قوتهم ، ويجبرون به ضعفهم ، ويرفعون بخضوعهم استضعافهم ، والاستضعاف يلجئ النفس لركن حريز وملاذ أمين ، وهكذا كان أنبياء اللّه . « فلو رخص في الكبر لأحد من عباده ، لرخص فيه لخاصة أنبيائه وأوليائه ، ولكنه سبحانه كرة إليهم التكابر ، ورضي لهم التواضع ، فألصقوا بالأرض خدودهم وعفروا في التراب وجوههم ، وخفضوا أجنحتهم للمؤمنين ، وكانوا قوما مستضعفين » فبلغوا باستضعافهم غاية القوة ، واسمى الرفعة فهم يستمدون قوتهم من نبع فياض لا يدرك غوزه ، ولا يعرف عمقه ، ولا تبلغ غايته ، كلما اغترف منه تفجرت عيون ، وكلما أخذ منه زاد تدفقا . وتزداد قوة الأنبياء والأولياء كلما ازدادوا استضعافا وخشوعا وتذللا و « لقد دخل موسى بن عمران ومعه أخوه هارون ( ع ) على فرعون ، وعليهما مدارع الصوف . وبأيديهما العصي ، فشرطا له - إن اسلم - بقاء ملكه ودوام عزه . فقال : ألا تعجبون من هذين يشرطان لي دوام العز وبقاء الملك وهما بما ترون من حال الفقر والذل ، فهلا ألقى عليهما أساورة من ذهب » فجعل الذهب المعيار ، والإنسان المحصول ، وفاته أن الإنسان محصول روحي معياره القيم ، ومتى قيس بغيرها أصبح عرضا ( يقاس بالأوزان والمكاييل ) شأن محاصيل الأرض والزروع والضروع . « ولو أراد اللّه سبحانه لأنبيائه حيث بعثهم أن يفتح لهم كنوز الذّهبان ، ومعادن العقيان ، ومغارس الجنان لفعل . ولو فعل لسقط البلاء وبطل الجزاء . ولكن اللّه سبحانه جعل رسله أولي قوة في عزائمهم ، وضعفة فيما ترى الأعين من حالاتهم . مع قناعة تملأ القلوب والعيون غنى » فلو كانت المقاييس كلها بالمكاييل لاضمحلت القيم وتبدلت المفاهيم وانقلب الانسان منكوسا ، وفقدت الأسماء معانيها والمسميات مدلولاتها .