مجموعة مؤلفين
114
نهج البلاغة ، نبراس السياسة ومنهل التربية
شيئا نكثا البيعة ( 1 ) وخرجا يغرران بالناس ، حتى ساقوهم إلى مجزرة وقعة الجمل التي سفك فيها دماء عشرة آلاف مسلم . . . وأما عمرو بن العاص فإن معاوية بعث اليه بكتاب يطلب فيه نصرته ، فاستشار هذا ابنيه عبد اللّه ومحمدا . فأشار عليه عبد اللّه بالإقامة في منزله ، أما محمد فقال له : الحق بجماعة أهل الشام . فقال عمرو : أما أنت يا عبد اللّه فامرتني بما هو خير لي في ديني . وأما أنت يا محمد فقد أمرتني بما هو خير لي في دنياي . ثم التحق بمعاوية مختارا ، وطلب منه لقاء مناصرته ولاية مصر فوعده بها . . . وفي خدعته لأبي موسى في أمر التحكيم ، وحيدته عن نهج العدل الأنور ، كان سببا لخلق فرقة جديدة في الاسلام لها مذهبها وآراؤها وهي : الخوارج الذين كانوا قذى في عين الدولة الاسلامية ، وعاملا جبارا في إضعافها في كثير من الأحيان . . . أرأيت كيف خرج طلحة والزبير على إمام المسلمين بعد ما بايعاه ، وبايعه عامة المهاجرين والأنصار وساقوا إلى الموت عشرة آلاف مسلم لأن عليا أبى أن يقطع كل واحد منهما ولاية يبسط عليها سلطانه ، ويشبع أطماعه وهل رأيت كيف اختار عمرو بن العاص الدنيا على الآخرة ، وكيف فرق كلمة المسلمين طرائق قددا ، وكان سببا في إزهاق الألوف من النفوس المسلمة ، المؤمنة ، لأن معاوية وعده أن يجعله واليا على مصر وأما معاوية فحسبك أن تعلم أنه مركز الدائرة في كل هذه الأعمال . فهو الذي أرسل إلى طلحة والزبير يحضهما على مناهضة علي ويعدهما بأن يبايعهما بالخلافة . . . وهو الذي كتب إلى عمرو بن العاص ، وجعل له مصر طعمة لقاء مساندته إياه ، وهو الذي مزق وحدة الإسلام بحرو به الدامية لخليفة المسلمين الشرعي علي ، وبفرض البيعة لابنه يزيد ، صنم الخلاعة وحبيب الخمرة . . . وهو الذي ضحّى على مذبح شهواته وميوله بعشرات الألوف من المسلمين في معركة صفين وحدها ، مدرعا ثوب المظاهرة بالمطالبة بدم الخليفة الثالث عثمان بن عفان ، وهو عارف أن عليا أبرأ الناس من دم عثمان ، ولما استتب له أمر الملك لم يطلب أحدا من قتلة عثمان ( 2 ) بل تركهم أحرارا يمرحون بين سمعه وبصره . وإذا فمعاوية لم يكن همه غير الاستيلاء على صولجان الملك -
--> ( 1 ) راجع الإمامة والسياسة لابن قتيبة صفحة 41 و 42 إلى صفحة 73 . ( 2 ) راجع حديث عائشة بنت عثمان مع معاوية في الإمامة والسياسة حينما قدم المدينة بعد ما صار خليفة . راجع ابا الفداء وأي كتاب شئت من كتب التاريخ الاسلامي .