مجموعة مؤلفين

111

نهج البلاغة ، نبراس السياسة ومنهل التربية

جفاف وتكلف . . . شأن كتابات الصنعة والسجع ، ولما أبصرنا كل جملة من جملها تنبض بالحيوية والمرح والخلود . ولما شاهدنا كل كلمة من كلماتها ملبية داعي الحاجة إليها فهي غير مضطربة ولا نابية كأنما خلقت لتحل هذا المحل . ولما وجدت النفوس في قراءتها هذه اللذة الروحية العميقة المنجسة من حنايا ذلك الأسلوب القوي العالي الجاري عفو الخاطر جريان الماء الزلال الذي ينفحك بأرجه المؤمن أحيانا ، ويلفحك بحرارته السياسية . . . حينا فإذا بك تفقد ذاتيتك ، وتعيش في فردوس القطعة التي تقرأها عيشة ناعمة راضية . ولعل استواء الجملتين والثلاث في التقفية ، وحلاوة الجرس الموسيقى ، هو الذي ذر ذلك الشك في قلوب النقاد فأخذوا يزعمون أن عصر علي لم يعهد ذلك . . . وقد غاب عنهم أن عصر علي هو العصر الذي حلق فيه العربي فوق ثريا البلاغة ، وان القرآن الكريم نزل في عهد علي ، وأنّ عليا أول كوكب بشري آنس النبي نفسه ، وضمخ عواطفه بقوله تعالى : « اقرأ باسم ربك الذي خلق ، خلق الانسان من علق » . وقبل نزول القرآن الكريم كان « النثر في الجاهلية موسيقي كالشعر ، تتخلله أحيانا جمل موزونة مسجعة يأتي بها البدوي دون تكلف » ( 1 ) « وقد نقل لنا الرواة بعضا من خطبهم وهي عادة قطع وجيزة من الوعظ ترسل سجعا أو ما يقاربه » ( 2 ) نقدم مثالا على ذلك شيئا من خطبة قس بن ساعدة التي أدركه النبي يلقيها في سوق عكاظ وهو راكب على جمل أحمر : « أيها الناس اسمعوا وعوا . وإذا سمعتم شيئا فانتفعوا . انه من عاش مات . ومن مات فات . وكل ما هو آت آت . ليل داج . وسماء ذات أبراج . وارض ذات فجاج . وبحار ذات أمواج » ( 3 ) إلخ . . . وقال لبيد يصف بقلة تدعى التربة : « هذه التربة لا تذكي نارا . ولا تؤهل دارا . ولا تسر جارا . عودها ضئيل . وخيرها قليل . وفرعها كليل . أقبح البقول مرعى . وأقصرها فرعا . وأشدها قلعا » . وروى ابن مسعود عن رسول اللّه أنه قال : استحيوا من اللّه حق الحياء . قلنا : انا لنستحي يا رسول اللّه قال : ليس ذلك ولكن الاستحياء من اللّه : أن تحفظ الرأس وما وعى والبطن وما حوى . وتذكر الموت والبلى . ومن أراد الآخرة ترك زينة الحياة

--> ( 1 ) بطرس البستاني في كتابه الأدب الجاهلي . ( 2 ) اللغة العربية وآدابها لأنيس المقدسي . ( 3 ) البيان والتبيين - الجزء الأول - للجاحظ