مجموعة مؤلفين
110
نهج البلاغة ، نبراس السياسة ومنهل التربية
كل شبهة ، والصحيح أن أكثر ما في هذا الكتاب منحول مدخول » . هذا حكمه المطلق على كتاب نهج البلاغة أرسله كأمر مسلّم به ، ولكنه لم يدعمه بحجة قاطعة تتفق ومنهاج البحث العلمي الحديث . وقد سلك الزيات في حكمه هذا منهاج ابن خلكان . . . فكان بذلك مقلدا من تقدمه تقليدا رائعا . . . بيد أن ابن خلكان وغيره بسطوا أسباب شكهم في نهج البلاغة ، فعبروا بذلك عن وعي غير ناضج في فهم الإمام وعصره . . . أما صاحبنا الزيات المفروض فيه أن يدحض بقلمه السيال ، وبصيرته الناقدة هذا الشك الخاطئ فلم يزد على أن تخذ من ابن خلكان إماما بلا دليل مبرو ، ولا سبيل قانع . . . أهكذا تكون دراسة الآثار الأدبية المشكوك في صحتها وإنك لتحار متسائلا : لم هذه الشكوك التي لا ترتكز على أساس ثابت من العلم ، ولا الأدب ، ولا العقل ، بل هي مجرد « ظنون » لا تمت إلى وجه من الحقيقة بسبب يقولون إن أكثر نهج البلاغة من صنع جامعه الشريف الرضي ، ويرجعون ذلك إلى عدة أسباب نجملها في أربعة : 1 ) صناعة السجع والتنميق اللفظي ، وآثار الصنعة ، مما لم يعهده عصر علي ، ولا عرف إلا في العصر العباسي . 2 ) التعريض بالصحابة : كمعاوية ، وعمرو بن العاص ، وطلحة والزبير وأشياعهم ، وهذا لا يصدر عن رجل فاضل كعلي . 3 ) دقة الوصف والأفكار السامية ، والسياسة المدنية ، واستعمال الألفاظ الاصطلاحية ، كالأين والكيف ، والطريقة العددية في شرح مسائل وتقسيمات الفضائل والرزائل كقوله : الاستغفار على سبعة معان . . . والايمان على أربع دعائم : على الصبر ، واليقين والعدل والجهاد ، والصبر منها على اربع شعب ( 1 ) . . . وكل ذلك لم يعرف إلا بعد تعريب كتب الفرس واليونان 4 ) ادعاء علم الغيب ، وهذا أمر يجل عن مثله مقام على . وها نحن نناقش هذه الأسباب الأربعة ونظهر بالبينة الثاقبة فسادها وبطلانها . السبب الأول لقد درسنا خطب الامام واحدة واحدة ، فلم نجد فيها ظلا للصنعة ، ولا أثر للسجع ، ولا وجها للتنميق اللفظي . ولو أنها تنطوي على شيء من هذا لما خلت من
--> ( 1 ) راجع باب الحكم من نهج البلاغة