السيد عباس علي الموسوي
92
شرح نهج البلاغة
لقد رأى الأشتر ملل الناس فتوجه إليهم قائلا لهم : أعيذكم باللهّ أن ترضعوا الغنم سائر اليوم ثم دعا بفرسه وخرج يسير في الكتائب ويقول : ألا من يشري نفسه للهّ ويقاتل مع الأشتر حتى يظهر أو يلحق باللهّ ولما اجتمع إليه نفر من الناس واستجابوا لندائه قال لهم : شدوا فدى لكم عمي وخالي شدة ترضون بها اللّه وتعزون بها الدين وبعد برهة ترجل وشد مع أصحابه على معسكر أهل الشام يضربهم حتى أزاحهم ولما رأى الإمام تباشير النصر قد لاحت من ناحيته أخذ يمدهّ بالرجال وأخذ الأشتر يزحف بالنصر من ناحية إلى ناحية واقترب الفتح المبين وهو يقول لأصحابه : اصبروا يا معشر المؤمنين فقد حمي الوطيس ، إنها ساعات معدودة ويحسم الأمر ويقطع اللّه دابر القاسطين ، إنها لحظات قاسية ولكنها تحمل الآمال العظيمة التي تحطم فيها الضلال والنفاق ويظهر فيها الحق والعدل ولكن تلك الآمال قد تحطمت عندما رفعت مصاحف أهل الشام طالبة تحكيم الكتاب الكريم خداعا وتضليلا . إن الأشتر قد عرف أن رفع المصاحف خدعة وأن أهل الشام لم يرفعوها إلا بعد أن هزموا وأضحت رقابهم تحت حد السيوف فلذا قال للإمام : يا أمير المؤمنين إن معاوية لا خلف له من رجاله ولك بحمد اللّه الخلف ولو كان له مثل رجالك لم يكن له مثل صبرك ولا بصرك فاقرع الحديد بالحديد واستعن باللهّ الحميد . ولكن الأشعث وجماعة من القراء الذين سموا فيما بعد خوارج هؤلاء قد أصروا على الموادعة وقبول التحكيم وكانت الفاجعة الكبرى التي شطرت جيش الإمام إلى رأيين يمثل أحدهما الإمام علي والأشتر ومن معهما ويمثل الطرف الآخر الأشعث وعامة الناس . وعلى هذا الافتراق في الرأي كان الافتراق في العمل ، فقد توجه الأشتر والذين آمنوا برأيه إلى إكمال الحرب حتى النصر وتوجه الطرف الآخر في عدده الذي يناهز العشرين ألفا مقنعين في الحديد شاكي السلاح سيوفهم على عواتقهم وقد اسودت جباههم من السجود ينادون الإمام باسمه لا بأمرة المؤمنين : يا علي أجب القوم إلى كتاب اللّه إذ دعيت إليه وإلا قتلناك كما قتلنا ابن عفان فو اللّه لنفعلنها إن لم تجبهم ثم قالوا له : ابعث إلى الأشتر ليأتيك وقد كان الأشتر صبيحة ليلة الهرير قد أشرف على معسكر معاوية ليدخله . وبعث الإمام إلى الأشتر أن يأتيه فما كان من بطلنا وهو على أبواب النصر إلا أن يقول لرسوله : ائته فقل له : ليس هذه بالساعة التي ينبغي لك أن تزيلني فيها عن موقفي : إني قد رجوت اللّه أن يفتح لي فلا تعجلني وما هي إلا لحظات وقبل أن يصل الرسول إلى الإمام علت الأصوات من قبل الأشتر وظهرت دلائل الفتح والنصر لأهل العراق فاغتاظ أصحاب الأشعث وواجهوا الإمام بقولهم : واللّه ما نراك إلا أمرته بقتال