السيد عباس علي الموسوي

73

شرح نهج البلاغة

فإن ذلك ليس من دأب المسلمين للهّ المعتصمين بحبله وإذا تم العقد واستحكمت الأمور لا يجوز للوالي إذا رأى خلاف ذلك أن ينقضه ويفسخه ، بل يجب عليه أن يلتزم به على وجهه المتفق عليه ويصبر فإنه إذا صبر على أمر يرجو انفراجه وينتظر حسن عاقبته خير له من أمر يعتذر منه ولكن لا يقبل العذر بل تلحقه التبعة وتحيط به المطالبة من اللّه وهل ينجو عبد يطلبه اللّه ، فما أجدر هذا الإنسان أن يودع دنياه بالوفاء ليستقبل آخرته مع وفود الأنبياء . . . ( إياك والدماء وسفكها بغير حلها ، فإنه ليس شيء أدنى لنقمة ، ولا أعظم لتبعة ، ولا أحرى بزوال نعمة وانقطاع مدة ، من سفك الدماء بغير حقها . واللّه سبحانه مبتدئ بالحكم بين العباد ، فيما تسافكوا من الدماء يوم القيامة ، فلا تقوين سلطان بسفك دم حرام ، فإن ذلك مما يضعفه ويوهنه ، بل يزيله وينقله ، ولا عذر لك عند اللّه ولا عندي في قتل العمد ، لأن فيه قود البدن ) إن للنفوس البشرية في الإسلام حرمتها وحصانتها ، والإنسان في هذا الدين كائن له قدسيته المميزة واحترامه الخاص ، فمن أجله خلق اللّه الدنيا ومن أجله سخر له كل ما فيها ، من أجله أسجد اللّه ملائكته ففضله عليهم . أعطى الإسلام اهتمامه البالغ في الحفاظ على حرمة الدماء وحقنها من كل اعتداء ورعاها رعاية لم يرع مثلها من الأمور الكبيرة فقد عدّ الاعتداء على الإنسان دون حق يعادل الاعتداء على كافة الناس قال تعالى : مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعاً ( 1 ) فإن نزعة الشر إذا سيطرت على عقل جاهل أو سفيه أو مجرم محترف فقتل فردا واحدا دون ذنب أو حق فهو بما يحمل من نفس شريرة تتقبل نفسه أن يقتل الناس جميعا ولذا يحمله اللّه مسؤولية قتل البشرية كلها . . . إن الإسلام اعتبر الإنسان محقون الدم لا يجوز التعدي عليه وإزهاق نفسه دون فرق بين كبير وصغير حتى عمليات الإجهاض حرّمها الإسلام ومنع من القيام بها لأنها تشكل اعتداء على آدمي تمتع بقسط من الوجود فلا يجوز قتله . . . إن الإسلام حرم إهدار الدماء ومنع من سفكها . . . فلا تهدر من أجل النزوات الشخصية للحكام المجرمين ولا تهدر من أجل الثروات التي بيد الغير فيعتدى عليهم وتسلب من أيديهم . . . ولا تهدر من أجل الاستعمار والاستغلال .

--> ( 1 ) سورة المائدة ، آية - 32 .