السيد عباس علي الموسوي

72

شرح نهج البلاغة

برحمته ، وحريما يسكنون إلى منعته ، ويستفيضون إلى جواره . فلا إدغال ولا مدالسة ولا خداع فيه ) هناك مسلمات عقلائية تجتمع عليها الناس قاطبة المسلم منهم والكافر الموحد والملحد وذلك لوضوحها وصحتها في العقول وهذه المسلمات يكون دور الشارع فيها التأكيد وليس التأسيس فإن هذا العقل أودعه اللّه في الإنسان حجة له وعليه يستطيع أن يستقل بالحكم في هذه المسلمات كما في حسن العدل وقبح الظلم وغيرهما من البديهيات العقلائية المعبر عنها بالحسن والقبح العقليين وأن الإمام هنا يبين جزئية من تلك الجزئيات التي تسالم عليها العقلاء وأقروها في تصرفهم وسلوكهم ، إنه الوفاء بالعهد فإننا نجد كيف تم التسالم بين العقلاء قاطبة حتى المجتمع المشرك قد تعامل فيما بينه بالوفاء به . فإن أهل الجاهلية كانت تلتزم بالعهود وتذم من ينقض عهدا أو يخالفه ، وترى شعراؤها تهجوه وتقبح فعاله وتجعله وصمة عار في جبين ناقضه لا يفارقه مدى عمره بل قد يلحق أبناءه وأحفاده وجميع من ينتسب إليه . . . إن الوفاء بالعهد مطلب إسلامي أكد عليه الإسلام وأوجبه على أتباعه . . . قال تعالى : وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا ( 1 ) . وقال تعالى : وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللّهِ إِذا عاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللّهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ ( 2 ) . فالإمام يطلب من الوالي أن يلتزم بعهده وهو أحق من يلتزم به فلا يجوز له أن يحتال أو يخدع عدوه بعد العهد لأن العهد وإن كان طرفه الآخر هو العدو ولكن عهدا أيضا مع اللّه ولا يخفر ذمة اللّه إلا جاهل . . . ( ولا تعقد عقدا تجوز فيه العلل ، ولا تعولن على لحن قول بعد التأكيد والتوثقة . ولا يدعونك ضيق أمر ، لزمك فيه عهد اللّه ، إلى طلب انفساخه بغير الحق ، فإن صبرك على ضيق أمر ترجو انفراجه وفضل عاقبته ، خير من غدر تخاف تبعته . وأن تحيط بك من اللّه فيه طلبة ، فلا تستقيل فيها دنياك ولا آخرتك ) نهي منه عليه السّلام أن يعقد عقدا يمكن أن تكثر فيه التأويلات وتتعدد الوجوه والاحتمالات بل يجب أن يكون العقد نصا في المطلوب لكي لا تكثر الاحتمالات التي يمكن أن يتثبت بها العدو . كما نهاه أن يخرج عما عقده وأحكمه إلى وجه خفي لا يهتدي إليه إلا الأوحدي

--> ( 1 ) سورة الإسراء ، آية - 34 . ( 2 ) سورة النحل ، آية - 91 .