السيد عباس علي الموسوي

55

شرح نهج البلاغة

فأول هذه الصفات أن يكون أفضل الرعية عند الحاكم وهذه الأفضلية يمكن إدراكها بعدة أمور . الأول : أن يكون القاضي ممن لا تضيق به الأمور يعني أنه يستطيع أن يجد لكل مشكلة حلا فلا تلتبس عليه الأمور ولا تنسد في وجهه المخارج التشريعية لهذه الخصومة وهذا يتوقف على أن يكون مجتهدا مطلقا ملما بجميع أبواب الشريعة ومتفرقاتها ، يستطيع أن يقضي في كل مسألة تعترض سبيله وتحتاج إلى حل فلا يقف مكتوف الأيدي أمام ما يعرض عليه من المشاكل والأحداث . . . الثاني : أن يكون القاضي ممن لا تمحكه الخصوم بحيث لا تجعله منازعة الخصوم لجوجا يريد أن يقضي في الأمر مسرعا فإن اللجاجة تفسد الحكم لأنها قد تحمل في طياتها عدم استيعاب جوانب القضية بأجمعها . . . الثالث : أن لا يتمادى في الذلة بحيث لو أخطأ في حكمه واتضحت لديه علامات أخطائه لا يبقى مستمرا في الانحراف والمعصية بل يرجع إلى الحق ويفيء إلى العدل . الرابع : لا تشرف نفسه للطمع فإن من طمع بما في أيدي الناس ذل لهم وجار في حكمه لصالح من طمع عنده . الخامس : أن لا يكتفي بأدنى فهم للقضية دون أقصاه بل يجب أن يستوعب القضية من خيوطها الأولى ويقف على جميع جوانب المسألة وما له علاقة بها فإن هذا الاستيعاب للأمور يكشف عن أمور مهمة لها علاقتها في المشكلة وحلها ، وفي هذا الاستيعاب والتقصي لهذه الأمور يحصل غالبا على الحل الحاسم والعادل في القضية . . . السادس : أن يكون القاضي أوقفهم في الشبهات بحيث لو لم تتضح معالم المسألة وبقي الأمر مشتبها لا يقدم على البتّ والفصل فيها لأن ذلك حرام لا يجوز فإن الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات . . . السابع : أن لا يترك القاضي الأخذ بالحجج إذا كانت شرعية يمضيها الدين فإن رسول اللّه ( ص ) قال : إنما أقضي بينكم بالإيمان والبينات وهذا هو الأقرب في الوصول إلى الحقيقة . الثامن : أن لا يتبرم القاضي ويضجر بمراجعة الخصم له ، فإن طبيعة المتخاصمين أن يثبت كل منهما حقه بما يقدر عليه وقد يستدعي هذا منهما مراجعته أكثر من مرة . . .