السيد عباس علي الموسوي

46

شرح نهج البلاغة

حاصلة على كل حال والنتيجة واحدة في كلتا الحالتين . . . وأما الجريمة الثانية للمساواة هي أن أهل الإساءة يتجرءون على الإساءة ويستمرون عليها لأن من أمن العقاب أساء الأدب وهؤلاء لما اطمئنوا إلى عدم العقاب تمادوا في الطغيان واستمروا عليه . إذا يجب أن يعامل كل واحد من المطيع والعاصي بما اختاره هو لنفسه فإنه كان عاقلا حرا مختارا عند إقدامه على ما يريد فيستحق ما ألزم نفسه به واختاره لها وفي التنزيل الكريم ورد قوله تعالى : أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ ( 1 ) وفي دعاء كميل وأنت جلّ ثناؤك قلت مبتدئا وتطوّلت بالأنعام متكرما ، أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون . . . ثم إن الإمام يقول للوالي إذا أردت أن يحسن ظنك برعيتك وترتاح لمقامك معهم فاعمل لهم من المبرات والخيرات والمشاريع العامة ما يجعلهم يرتاحون لك ويأنسون بوجودك وإذا كانت نفوسهم نحوك صافية من خلال أياديك الكريمة ، لم تعد تسمع منهم نقدا بسوء ولا جرحا لكرامة ولا حديثا عليك إلا بخير وهذا بنفسه يجعل ظنك بهم حسنا ومعيشتك معهم كريمة وهذا الظن الحسن منك برعيتك يخفف عنك أتعابا كبيرة أنت بغنى عنها لأنك إذا ساء ظنك بإنسان حاولت أن تتقصى أيامه وحياته وحركاته وسكناته وهذا فيه مشقات كبيرة . . . ( ولا تنقض سنّة صالحة عمل بها صدور هذه الأمة واجتمعت بها الألفة ، وصلحت عليها الرعية . ولا تحدثن سنّة تضر بشيء من ماضي تلك السنن فيكون الأجر لمن سنها والوزر عليك بما نقضت منها . وأكثر مدارسة العلماء ومناقشة الحكماء في تثبيت ما صلح عليه أمر بلادك ، وإقامة ما استقام به الناس قبلك ) ورد الحديث عن رسول اللّه : « من سنّ سنّة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة ومن سنّ سنّة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة » وهذه السنن الصالحة ليست تشريعا محرما لأنها تدخل تحت عمومات أو مطلقات أحبها الشارع ورغب في إقامتها مثلا فعل الخير يحبه الإسلام ويدفع الناس إلى ممارسته ويعد ذلك صدقة وفاعله خيّرا فلو أراد إنسان أن يبني مبرّة خيرية من أجل

--> ( 1 ) سورة الجاثية ، آية - 21 .