السيد عباس علي الموسوي

39

شرح نهج البلاغة

وتتحطم كل المقاييس ليعيش مقياس المحافظة على ركوب الكرسي . من أجل الحكم تقطع الأرحام فيخاطب الأب هارون الرشيد ولده : « واللّه لو نازعتني الملك لأخذت الذي فيه عينك » ومن أجل الحكم تدور الحروب بين الأخوين الأمين والمأمون ويهدى رأس الأمين لأخيه ومن أجل الحكم تحصل الانقلابات والمنازعات ومن أجل الحكم يقوم الابن قابوس بانقلابه على أبيه في عمان ومن أجل الحكم تدور المعارك بين الأصدقاء وتحصل التصفيات بين رفاق السلاح من أجل الحكم يتنكر كثير من الناس للحق فيدخلون النار . . . إن الإنسان إذا رأى قعقعة السلاح وخفق النعال ووجد نفسه أنه الآمر الناهي الذي يملك تصريف الأمور وتحريكها ، إذا رأى أن حاجات الناس لديه وهو يملك قضاءها ومنعها تغره نفسه ويقوده هواه إلى أن يبقى في منصبه ومقامه ولو على حساب دماء الناس وأشلائهم ودموعهم وراحتهم . . . إن لذة الحكم قد تطغى بالحاكم إلى أن يقول : أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى كما قال فرعون ويقول : أنا الدولة كما قال غيره . . . إن هذه اللذة إذا طغت فإنها تفسد الدين والضمير وتجعل الثورة على أبواب الملك لتدق عظمه وتعيده إلى حجمه الطبيعي الصغير . . . إن هذا الملك أو السلطان إذا تخيل أنه يملك كل شيء ووقف موقف الإعجاب بنفسه فعليه أن يلتفت لفتة بسيطة قليلة إلى قدرة اللّه العظيمة ، عليه أن يلتفت إلى ربه وقدرته عليه وعلى سائر المخلوقات ليعرف أن اللّه الذي هو فوقه يملك من القدرة في حق هذا الإنسان أكثر مما يملكه الإنسان من نفسه . . . فاللهّ يملك أن يميته فهل يملك هذا الإنسان أن يتحدى ذلك فلا يموت . . . اللّه يملك القدرة أن يمرضه فهل يملك هذا الإنسان القدرة على الشفاء . . . اللّه يملك القدرة أن يسلبه أمنه وراحته كما فعل مع شاه إيران محمد رضا بهلوي بحيث لفظته الأرض ورفضته السماء فهل كان بمقدوره أن يوفر الأمن والراحة . . . كلا . . . حتى الأصدقاء تنكروا له ونبذوه . . . فإذا مر هذا الشريط من قدرة اللّه وعظمتها وأنها فوق قدرة الملك وسلطانه يطأطى ء رأسه حياء ويخفف من كبريائه وارتفاع نفسه ليضعها موضعها اللائق بها فلا يرتفع تكبرا وتجبرا ولا يتيه غطرسة وعنادا ولا يخرج عن سمة العقلاء غضبا وحدة ، بل تلك الصورة العظيمة لقدرة اللّه تخفف من كل ذلك وتجعله يرجع إلى عقله ويعود إلى رشده . . . إن من يتشبه باللهّ ويفرض نفسه في ذلك المحل الرفيع ، فيتجبر ويتكبر ويقوده ذلك