السيد عباس علي الموسوي

36

شرح نهج البلاغة

عفوك وصفحك مثل الذي تحب وترضى أن يعطيك اللّه من عفوه وصفحه ، فإنك فوقهم ، ووالي الأمر عليك فوقك ، واللّه فوق من ولاك وقد استكفاك أمرهم وابتلاك بهم ) الوالي كالأب الرحيم ، يعطف على الضعيف ، يعين العاجز ، يوفر ظروف السعادة لرعيته لأنه يمثل القدوة والأسوة فعند ما يتخذ هذا السلوك سيرة له مع الناس ينعكس هذا الأمر فيما بين الناس أنفسهم فيتبادلون الحب والعطف والرحمة واللطف وبذلك يسن طريقة تجمع القلوب وتوحد الأيدي وتلم شمل الناس على مائدة الوئام والسلام وقد مثل الإمام علي وهو في سدة الخلافة أروع صور العطف والحنان على رعيته وهذه صورة مشرقة من تلك الصور الفذة . . . دخلت سودة بنت عمارة الهمدانية على معاوية بعد موت علي عليه السلام ، فجعل يؤنبها على تحريضها عليه أيام صفين ، وآل أمره إلى أن قال : ما حاجتك . قالت : إن اللّه سائلك عن أمرنا ، وما افترض عليك من حقنا ، ولا يزال يتقدم علينا من قبلك ، من يسمو بمكانك ويبطش بقوة سلطانك فيحصدنا حصد السنبل ويدوسنا دوس الحرمل ، يسومنا الخسف ويذيقنا الحتف ، هذا بسر بن أرطأة قدم علينا فقتل رجالنا وأخذ أموالنا ، ولولا الطاعة لكان فينا عز ومنعة فإن عزلته عنا شكرناك وإلا كفرناك . فقال معاوية : إياي تهددين بقومك يا سودة لقد هممت أن أحملك على قتب فأردك إليه فينفذ فيك حكمه . فأطرقت سودة ساعة ثم قال : صلّى الإله على روح تضمنها * قبر فأصبح فيه العدل مدفونا قد حالف الحق لا يبغي به بدلا * فصار بالحق والإيمان مقرونا فقال معاوية : من هذا يا سودة . قالت : هو واللّه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( ع ) ، واللّه لقد جئته في رجل كان قد ولاه صدقاتنا فجار علينا ، فصادفته قائما يصلي فلما رآني انفتل من صلاته ، ثم أقبل علي برحمة ورفق ورأفة وتعطف وقال : ألك حاجة . قلت : نعم فأخبرته الخبر ، فبكى ثم قال : اللهم أنت الشاهد علي وعليهم وإني لم آمرهم بظلم خلقك ثم أخرج قطعة جلد فكتب فيها : بسم اللّه الرحمن الرحيم : قد جاءتكم بينة من ربكم فأوفوا الكيل والميزان ولا