السيد عباس علي الموسوي

37

شرح نهج البلاغة

تبخسوا الناس أشياءهم فإذا قرأت كتابي هذا فاحتفظ بما في يدك من عملنا حتى يقدم عليك من يقبضه منك والسلام . . . فالوالي يجب أن يكون صاحب القلب الكبير ينظر بعطف ورحمة إلى رعيته ولا يكونن عليهم سبعا ضاريا يتحين الفرص لينقض على أنفسهم فيذيقها العذاب وعلى أموالهم فيتسلط عليها ظلما وعدوانا وعلى أعراضهم فينالهم بالهتك والمهانة . . . ويعلل الإمام ذلك بأجل عبارة وأخصرها وأروع بيان وأكمله حيث يقول : « فإنهم صنفان : إما أخ لك في الدين وإما نظير لك في الخلق » للهّ أنت يا أبا الحسن . . . يا رحمة الإسلام لهذا الإنسان ، عشت الإنسانية بأبعادها وارتدت الحق بمغارسه واخترقت بفكرك عمق الزمان والمكان لتقف أمام الإنسانية عملاقا يتحدى الباطل ويستنهض الخير الكامن في وجدان كل فرد من الناس ، لقد حملت هم الإنسان وترجمت ذلك في أعمالك وأقوالك . فجئت إسلاما متحركا في أهاب إنسان . . . « إما أخ لك في الدين وإما نظير لك في الخلق » عبارة على قصرها تتحدى ما توصل إليه الإنسان في القرن العشرين ، إنها عبارة انطلقت قبل أربعة عشر قرنا واخترقت كل هذا الزمن لتتحدى فكر الإنسان في القرن العشرين الذي لم يستطع أن يأتي بصياغة أجمل منها . . . يحتوي على نفس المضمون العميق . . . إما أخ لك في الدين تربطه معك العقيدة والمبدأ وهذا له حق عليك بل حقوق وهناك أخ لك في الخلق تجمعه معك أصل الخلقة والتكوين وهذا المعنى المشترك يفرض حقا لكل فرد من الناس على الآخرين . . . ( إما أخ لك في الدين وإما نظير لك في الخلق ) وكلا الرجلين يستحق الشفقة والرقة والحنان فإذا صدر من أحدهما زلة أو عثرة أو تجاوز ما هو مرسوم له عمدا أو خطأ فإن ذلك شيئا يمكن أن يصدر من إنسان يدخل تحت الإمكان ولا تحوطه العصمة أو ترشده يد اللّه ، فإذا صدر شيء من ذلك وأمكن للوالي أن يغفرها لهم أو يسترها عليهم أو يجنبهم جرائرها وآثارها فهذا شيء مطلوب ومرغوب فيه ولينظر الوالي نفسه كيف أنه لو أخطأ أو عثر يتمنى في قرارة نفسه أن يعفو عنه اللّه بعفوه وكذلك من هو فوقه فليكن هذا الوالي مع أمنيات رعيته في عفوه عنهم . . . وطبعا هذا إنما يكون في الأمور التي يمكن أن يتساهل فيها أو يعفى عنها ، أما إذا كان من الحدود التي لا يجوز التهاون فيها ، أو الحقوق التي يجب تحصيلها فليس لأحد أن يسترها أو يعفو عنها . . . ثم إن اللّه فوق الجميع وبيده الأمور كلها وهو الذي ولىّ القادر على تحمل