السيد عباس علي الموسوي
35
شرح نهج البلاغة
( فليكن أحب الذخائر إليك ذخيرة العمل الصالح ، فاملك هواك وشح بنفسك عما لا يحل لك ، فإن الشح بالنفس الإنصاف منها فيما أحبت أو كرهت ) العمل الصالح قرين الإيمان ورفيق مسيرته ، فحيث يحل الإيمان يتبعه العمل الصالح وقد ذكره اللّه في كتابه مع الإيمان ولم يفكك بينهما لما لهما من الاتصال والوفاق ، فالإيمان عقيدة في القلب يتحرك الإنسان على أساسها في اتجاه مستقيم من فعل الخير والإحسان وزرع الحب بين الناس ولا يمكن أن يفرض الإيمان في قلب فرد عاريا عن العمل الصالح فإن مثل هذا الإيمان مثل الجسد المشلول الذي يملك الصورة البشرية دون أن يملك الحركة التي على أساسها يملك الاختيار ووجهة المسير . . . والعمل الصالح يتجسد في إطاعة اللّه في أوامره والانتهاء عن نواهيه فاللهّ يأمر بالعدل والإحسان وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وإعانة الضعيف ومدّ يد العون إلى المسكين واليتيم ورفع ضائقة المحتاجين وسد عوز الفقراء والمعوزين . إنه تعالى يأمر بكل ما يحقق لهذا الإنسان سعادة الدنيا والآخرة إنه تعالى يأمر بالعمل الصالح وهل هناك أفضل من هذه الذخيرة وأنفع منها إن أنفع ما يدخره المرء هو العمل الصالح ثم إن الإمام يوجه نصيحته قائلا لمالك : « فاملك هواك وشح بنفسك » فإن الإنسان إذا استطاع أن يسيطر على هواه استطاع أن يحقق إرادة اللّه فينشر العدالة وينصف الناس ويعطي كل ذي حق حقه ، إن الإنسان إذا أطاع هواه فيما أحب يخرج عن عبوديته للهّ ليكون عبدا لهذا الهوى الفاسد وقد عدّ اللّه من أطاع هواه عابدا له من دون اللّه فقال سبحانه : أَ رَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلِههَُ هوَاهُ . . . فإن الاتباع للهوى يصدّ عن سبيل اللّه . . . ثم إن الإمام يقول له شح بنفسك ويفسر له الشح بالإنصاف من هذه النفس فيما أحبت أو كرهت فإن الإنسان يجب أن يكون على حذر من نفسه فيطيعها في طاعة اللّه ويعصيها في معصية اللّه وذلك هو إنصافها . . . إن هذه النفس تمثل أغلى ما يملكه هذا الإنسان ، إنها أغلى عنده من ماله ومتاعه ومن كل ما تحت يده فلذا يضحي في سبيلها بكل شيء يملكه ولا يضحي فيها من أجل شيء يملكه ، فإذا كانت عزيزة بهذا المقدار ويحرص المرء عليها هذا الحرص فيجب أن يفكها من النار ، ويفتديها من الهوان فلا تدفعه إلى ارتكاب الحرام وعدم إنصاف الناس بالجور عليهم والانحراف عن العدل والحق فيهم . . . ( وأشعر قلبك الرحمة للرعية ، والمحبة لهم ، واللطف بهم ، ولا تكونن عليهم سبعا ضاريا تغتنم أكلهم فإنهم صنفان : إما أخ لك في الدين ، أو نظير لك في الخلق ، يفرط منهم الزلل ، وتعرض لهم العلل ، ويؤتى على أيديهم في العمد والخطأ ، فأعطهم من