السيد عباس علي الموسوي
329
شرح نهج البلاغة
مفقودة وأمثالهم في القلوب موجوده ) وهذا ترغيب في العلم من وجه آخر وذلك بالحكم يموت خزان الأموال وإن كانوا على قيد الحياة وفي المقابل بحياة العلماء وبقاؤهم وإن كانوا أمواتا . أما هلاك خزان الأموال فلأنهم لم ينفقوه في طاعة اللّه وخدمة عباده فماتوا معنويا وهو أعظم من الموت الحسي . . . أو لأنهم عاشوا لذاته وشهواته فلم يعرف عنهم أحد شيئا . أما حياة العلماء فإنهم يعيشون ما بقي الدهر . . . إنهم وإن غابوا بأجسادهم عن الحياة ولكن آثارهم وما تركوه لا يزال يعيش بيننا ، فهم يعيشون بما تركوا وخلفوا . . . يعيشون بتراثهم . . . بأفكارهم . . . بنظرياتهم بكتبهم ومؤلفاتهم وقراءة سريعة ترى أصحاب الأموال في زاوية العدم لا تذكر منهم أحدا بينما قائمة العلم بالآلاف المؤلفة وهذه المكتبات العامرة تحكي عنهم وتنقل أقوالهم فكأنهم يعيشون بيننا وكأننا وإياهم في حوار فما أعجبنا من آرائهم قبلناه ووافقناهم عليه وما لم يعجبنا ناقشناهم وحاورناهم وهكذا . . . ( ها إن هنا لعلما جما وأشار بيده إلى صدره لو أصبت له حملة ) أكلت الحسرة قلب الإمام إذ لم يجد من يبث إليه علمه وفقد من يقدر على حمل ذلك العلم . . . هكذا يموت العظماء وفي نفوسهم حسرات . . . وعلي يتمنى أن يضع يده على فرد يحمل علمه ليبثه إليه . . . العلم يفقد بفقد العلماء وبفقد من يتحمله . . . علي يعلنها صرخة من عمق نفسه يتمنى أن يجد لعلمه حملة فلا يضيع ذلك العلم بفقده . . . نعم لم يجد من يحمل علمه وبقيت الحسرة في قلبه وانتقل إلى ربه يحملها وبقيت هذه الكلمات ذكريات نرددها ونأسف لعدم وجود من يحمل عن الأئمة علومهم . ( بلى أصبت لقنا غير مأمون عليه مستعملا آلة الدين للدنيا ومستظهرا بنعم اللّه على عباده وبحججه على أوليائه ) بعد أن نفى عليه السلام وجود من يحمل عنه علمه استدرك بأنه قد وجده ولكن من وجدهم ليسوا أهلا لحمله ، وهذا بمنزلة عدمه وبمنزلة المفقود وقد ذكر أربعة رجال وكل رجل يحمل سمات لا تؤهله لحمل هذا العلم وهذا أول الرجال وقد وصفه بأنه لقن فطن لبيب نبيه ولكنه خائن للعلم لا يعمل بما يعلم ولا يضع العلم موضعه أو يستعمله في موضعه يستغل الدين ليصطاد به الدنيا فهو يظهر النسك والعبادة من أجل أن يصل إلى الدنيا ويبلغ مرامه منها كما أنه بما جمع من العلم يرى نفسه أعظم العباد فيفتخر عليهم ويأخذ من البراهين والحجج التي تعلمها ما يلبس الحق بالباطل والصدق بالكذب .