السيد عباس علي الموسوي
326
شرح نهج البلاغة
صورة جليلة ينقلها كميل . . . صورة علي وهو يأخذ بيد كميل . . . يأخذ بيده ويخرج به إلى القبور إلى حيث لا يفهم لغة علي أحد في الحياة . . . المعادلة العلوية لا تستوعيها أذهان الأحياء فأراد أن يريح نفسه ببيانها بين القبور وتحت السماء . . . خرج الاثنان علي وكميل ومرّا على الجبانة ولما صارا في القضاء الطلق أخذ الإمام تنفسا طويلا تنفّس المتعبين من الحياة . تنفس الذين أكلت الهموم قلوبهم ولم يجدوا من يبثون إليه شكواهم وألمهم . . . صورة تحكي عمق الأسى الذي يعيش في قلب الإمام فتدفعه إلى هذا التنفس الطويل . . . إنه يريد أن يبث في أذن كميل علما كريما ينقله للأجيال ويحكي به قصته معه . . . في الهواء الطلق يريد الإمام أن تنطلق الكلمات منه لعل الزمن يحملها إلى طلابها فيستفيدوا منها . . . وفي هذا الجو وهذه اللحظات ينطلق الإمام بمقدمة ينبه بها كميل . . . إنها إشارة إلى أن هذه القلوب هي أوعية العلم وخزنته فيها يجمع العلم والحكمة والمواعظ والعبر وخير هذه القلوب أكثرها علما وحفظا ووعاية ودراية . . . ثم قال له : احفظ عني ما أقول لك احفظه في نفسك وانقله للأجيال لتسمع كلام علي . . . ثم قسم الناس إلى ثلاثة أقسام : 1 - عالم رباني : وهو المنسوب إلى الرب وهم الأنبياء والأوصياء الذين يأخذون علومهم بواسطة الوحي . . . إنهم الذين يرسل اللّه إليهم ملائكة تنقل مراداته أو يلهمهم أو يكلمهم من وراء حجاب وهؤلاء هم الصفوة وأعلى طبقات الناس . . . إنهم أخلصوا للهّ فاصطفاهم اللّه ونسبهم إليه . . . 2 - ومتعلم على سبيل نجاة : وهم العلماء والسائرون في طريق تحصيل العلم الذين يتوجهون إلى اللّه في دراستهم فهم في طريق النجاة . 3 - وهمج رعاع : وهم بقية الناس إنهم العوام الغالبية من البشر . . . هذا السواد الأعظم الذي يملأ الدنيا ويشغلها . . . وقد وصفهم بأوصاف . أ - إنهم همج تصغير لهم وتحقير فقد شبههم بالذباب الصغير الذي يطير إلى هنا تارة وإلى هناك أخرى . . . ب - إنهم رعاع وفي هذا اللفظ تحس العوام من الناس الذين لا يرتبطون بعهود ومواثيق لا يفكرون ولا ينطلقون مع الفكر . . . ج - أتباع كل ناعق : فمن دعاهم أسرعوا وراءه دون دراسة لدعوته ولما ذا يدعو