السيد عباس علي الموسوي
312
شرح نهج البلاغة
الأنبياء والصالحون وتهجد العباد والمريدون . . . في هذه الدنيا عاش الأنبياء في أصفى أجوائهم الروحية فاتخذوها مركز عبادتهم كما أنها المكان الذي تصلي فيه الملائكة وهذه فضيلة للدنيا تذكر . ( ومهبط وحي اللّه ) إنها محل نزول وحي اللّه ففيها كان مهبط جبرئيل فتشرفت بنزوله عليها وهبوطه فيها فأخذت بركة ورحمة . . . ( ومتجر أولياء اللّه اكتسبوا فيها الرحمة وربحوا فيها الجنة ) وهذه حسنة من حسنات الدنيا وبركة من بركاتها إنها المكان الذي اتجر فيه أولياء اللّه فربحت تجارتهم حيث عبدوا اللّه أياما قليلة وأطاعوه أوقاتا قصيرة ربحوا بها الجنة وما فيها والخلود الدائم في مرابعها . . . إنهم ربحوا الرحمة وربحوا الجنة وذلك هو الفوز العظيم . . . ( فمن ذا يذمها وقد آذنت ببينها ونادت بفراقها ونعت نفسها وأهلها ) إنها الدنيا قد أعلمت الناس بفراقها لهم وبعدها عنهم وأنها لا تدوم لهم ولا تبقى وإذا كان لسان حالها قد أفصح بهذا البيان فكيف يذمها الذام وهل الحق إلا عليه فحسب دونها . . . ( فمثلت لهم ببلائها البلاء وشوقتهم بسرورها إلى السرور ) فمن بلائها ومصائبها وأحزانها نعرف بلاء الآخرة وحزنها ومصائبها ومن سرورها ونعيمها وعافيتها نعرف سرور الآخرة ونعيمها وعافيتها مع الفارق بين الدنيا والآخرة . . . ( راحت بعافية وابتكرت بفجيعة ترغيبا وترهيبا وتخويفا وتحذيرا ) هذه حالات الدنيا وتقلباتها لا تدوم أيام السرور ولا تبقى أيام الحزن إنها تمسي عليك وأنت في صحة وعافية وأمان وسرور ولا تصبح عليك ويظهر صبحها عليك إلا بفاجعة ومصيبة في النفس أو الأهل أو المال إنها باستمرار ترغب في بعض الحالات وتخوف في بعضها الآخر . . . إنها تحذر وتبشر وهكذا . . . ( فذمها رجال غداة الندامة وحمدها آخرون يوم القيامة ) يوم الندامة هو يوم القيامة اليوم الذي يحزن الإنسان على ما ارتكبه من حرام ويقول يا أسفي على ما فرطت في جنب اللّه أما أهل الطاعة والالتزام بأوامر اللّه فإنهم سيوجهون للدنيا الحمد لأنها حذرتهم فقبلوا تحذيرها ولم يغتروا بها فشكروها لهذا ولأنها المكان الذي اكتسبوا فيه الجنة ودار الخلود . . . ( ذكرتهم الدنيا فتذكروا وحدثتهم فصدقوا ووعظتهم فاتعظوا ) هذه صفات الذين حمدوا الدنيا في يوم القيامة إنهم وهم في الدنيا كانوا عقلاء فطناء .