السيد عباس علي الموسوي

303

شرح نهج البلاغة

هرب ، ويفوته الغنى الّذي إياّه طلب ، فيعيش في الدّنيا عيش الفقراء ، ويحاسب في الآخرة حساب الأغنياء ، وعجبت للمتكبّر الّذي كان بالأمس نطفة ، ويكون غدا جيفة ، وعجبت لمن شكّ في اللّه ، وهو يرى خلق اللّه ، وعجبت لمن نسي الموت ، وهو يرى الموتى ، وعجبت لمن أنكر النّشأة الأخرى ، وهو يرى النّشأة الأولى ، وعجبت لعامر دار الفناء وتارك دار البقاء . اللغة 1 - النطفة : الماء الذي يتكوّن منه الولد . 2 - الجيفة : الجثة المنتنة . الشرح هذه أمور تعجّب منها الإمام وأراد من خلال تعجبه أن يحذرنا منها وينفرنا عنها ويرغبنا في أضدادها . 1 - هذا أول ما يثير العجب أنه البخيل الذي يجمع المال والعقار ويبخل على نفسه بالقليل من الزاد . . . إنه يجمع ويبخل ويريد من وراء ذلك أن يهرب من الفقر المتوقع فإذا به يقع في الفقر فعلا بعمله ، إنه لا يأكل طيبا ولا يلبس جيدا ولا يشرب لذيذا إنه يعيش حياة الفقراء الذين لا تتوفر لهم مقومات الحياة ولكنه يحاسب في الآخرة حساب الأغنياء الذين جمعوا وكنزوا وسيسأل يوم القيامة عن أسباب بخله وأنه لم يكن إلا عن سوء ظنه باللهّ فيلقى في جهنم . . . 2 - عجبت للمتكبر الذي كان بالأمس نطفة ويكون غدا جيفة : هذه التفاتة عجيبة من الإمام . . . إنه يريد أن يرد هذا المتكبر المتعاظم الذي ينتفخ كبرا يريد أن يرده إلى أصله ويصغرّه إلى أن ينزع تكبره ويعود إلى طبيعته . . . هذا المتكبر الذي تراه يتعالى قد تكوّن بالأمس من نطفة حقيرة وهو ماء الرجل والمرأة . . . كان تكوينه من نطفة يغسل الإنسان يده وبدنه من نجاستها وأما غدا وما أدراك ما يحمل الغد لهذا المتكبر . . . إنه سيتحول بالموت إلى جيفة نتنة تتقزز منها النفس ويسرع إلى مواراتها تحت الثرى خوف