السيد عباس علي الموسوي

304

شرح نهج البلاغة

انتشار رائحتها وأذية الناس فيها . . . والإنسان أي إنسان إذا لاحظ مبدأ تكوينه ومنتهى ما سينتهي إليه طأطأ رأسه وانحنى تواضعا وخشية . 3 - وعجبت لمن شك في اللّه وهو يرى خلق اللّه : وهذا أمر عجيب أن يقف الإنسان في مرحلة شك باللهّ وأفعاله وصنعه وحكمته وصفاته وهو يرى خلقه من سماوات مبنية وأرض مدحية . . . يرى دقة الصنع والتكوين من الذرة إلى المجرة . . . يرى الحكمة الدقيقة في أصغر المخلوقات فإن ذلك الصنع يدل على الصانع ويحكي عن حكمته وعلمه . . . 4 - وعجبت لمن نسي الموت وهو يرى الموتى : ومما يبعث العجب أن هذا الإنسان يحمل في كل يوم جنازة ويشيّع عزيزا ، ويدفن صديقا ومع ذلك ينسى مصيره ولا يتأهب لتلك الساعات الصعبة التي ستحل به وتتركه جثة هامدة . . . وهذه دعوة إلى أن يبقى الموت أمام عيون الناس لأنهم إليه صائرون ومن هذا ينطلقون ليجيدوا أعمالهم ويحققوا ما يعزّهم في آخرتهم . 5 - وعجبت لمن أنكر النشأة الأخرى وهو يرى النشأة الأولى : بعض الناس لا يكتفي بالشك بالحساب والعقاب وأن اللّه سيعيدنا بل ينطلق لإنكار الإعادة للحساب وهذا بعينه يرى كيف كان تكوينه ونشأته وكيف تدرج حتى أصبح رجلا . . . ينكر الإعادة للحساب لحسابات خاطئة توهمها فراح ينسج عليها إنكاره ولكنه لو التفت إلى تكوينه وصل إلى الحقيقة من أن اللّه الذي ابتدأه من لا شيء قادر على إعادته وقد صار شيئا . . . قال تعالى : وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خلَقْهَُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ . . . . 6 - وعجبت لعامر دار الفناء وتارك دار البقاء : وهذا مما يثير العجب أن هذا الإنسان يعكس القضايا ويقلبها رأسا على عقب تراه يبني في الدنيا دورا وقصورا وجاها وسلطانا وهو يعرف أنه سيرحل عن كل ما يبني وسيتخلى قهرا عنه ويتركه للوارث ومع ذلك يبني بينما يترك عمارة الآخرة وما يبقى ويدوم له فيها . . . تنبيه إلى كل فرد أن يعكس الأمر فيبني الدار الآخرة التي هي دار الخلود له ولما يبنيه ويترك الدنيا الفانية الزائلة . 127 - وقال عليه السلام : من قصّر في العمل ابتلي بالهمّ ، ولا حاجة اللّه فيمن ليس للهّ في ماله ونفسه نصيب .