السيد عباس علي الموسوي
479
شرح نهج البلاغة
( إليك عني يا دنيا فحبلك على غاربك قد انسللت من مخالبك وأفلت من حبائلك واجتنبت الذهاب في مداحضك ) تنكر علي للدنيا وأبعدها عن ساحته فلا أثر لها في سلوكه ولا في مطعمه ولا في مسيرته . . . إنه يخاطبها وكأنها تسمع . . . نعم لعلّ أهلها وعشاقها يسمعون . . . أبعدي عني يا دنيا أنت وما تشائين مع غيري أما أنا فقد هجرتك وخرجت من بين أظافرك التي نشبت في الناس فلم يعد لهم قدرة على الخلاص منها ، لقد نجحت في التخلص من شراكك التي نصبتها لتصطادي بها فكل شهواتك وزينتك ومتعك حبائل تصطادين بها الناس وأنا في منجاة من ذلك كما أني اجتنبت وابتعدت عن مواضع الزلل والعطب فيك فكل شبهة ابتعدت عنها وكل لذة هجرتها وكل متعة طلقتها . . . ( أين القرون الذين غررتهم بمداعبك ، أين الأمم الذين فتنتهم بزخارفك فها هم رهائن القبور ومضامين اللحود ) الخطاب للدنيا ويراد به أهلها . . . سؤال يراد به تنبيه الناس وإيقاظهم على حقيقة مرة قاسية . . . إنها القراءة عن الناس الذين خدعتهم الدنيا بحلاوتها ولذتها فذاقوها فلما منعتهم عنها طلبوها من الحرام . وكذلك سؤال عن الأمم والشعوب الذين انحرفوا عن الحق بزخارف الدنيا الفانية وزينتها التي لا تدوم ولا تبقى إنهم جميعا أضحوا في القبور لا يستطيعون الخروج منها أو الفكاك من عذابها ، لقد احتوتهم القبور فلا خروج لهم منها . ( واللّه لو كنت شخصا مرئيا وقالبا حسيا لأقمت عليك حدود اللّه في عباد غررتهم بالأماني وأمم ألقيتهم في المهاوي وملوك أسلمتهم إلى التلف وأوردتهم موارد البلاء إذ لا ورد ولا صدر ) أقسم عليه السلام أن الدنيا لو تتجسد في الخارج برجل يرى أو شيء محسوس يدرك لأقام عليها الحدود المفروضة والعقوبات المنصوصة وبيّن سبب ذلك بأنها قد غرت العباد وخدعتهم بالأمنيات فحببت إليهم الرياسة والزعامة والمال فسعوا من أجل ذلك في طرق الحرام وكذلك ألقت أمما وشعوبا في المهالك وقضت عليهم فلم يبق منهم أحد . وأيضا يقيم عليها الحدود لما لحق الملوك حيث أسلمتهم إلى التلف وأوصلتهم إلى موارد المصائب والرزايا وهي موارد ليس من شأنها أن يكون إليها الورود ولا منها الصدور لأنها غير مرغوبة فلا يردها الإنسان ولا يصدر عنها لأن من دخلها لا يخرج منها . . . إنه الموت الذي لا يرغب فيه راغب ومن حل به لا يصدر عنه . . . ( هيهات من وطئ دحضك زلق ومن ركب لججك غرق ومن أزور عن حبائلك