السيد عباس علي الموسوي
480
شرح نهج البلاغة
وفق والسالم منك لا يبالي إن ضاق به مناخه والدنيا عنده كيوم حان انسلاخه ) بعد ما تريدين مني فلن أكون من روادك وطلابك . . . ثم بين بعض الموارد المسببة للبعد عنها والنفرة منها : 1 - من وضع أقدامه وداس على مواضع الزلل فيها زلق وسقط وهو تشبيه للشهوات التي إذا ارتكبها الإنسان وقام بها استرسل فيها واستكثر حتى يسقط في المعاصي ويهبط في مهاوي العذاب . 2 - من طلب الدنيا وخاض غمار طلبها غرق فيها فجرهّ ذلك إلى طلبها من غير حلها وقد يصعب عليه تحقيق آماله في الطرق المعتادة الكريمة فينحرف إلى الطرق الباطلة الفاسدة ولا يستطيع بعد ذلك أن يخرج فيهلك . 3 - بيّن الطريق الصحيح والسليم الذي ينجيه منها وهو أن يبتعد عن شراكها وفخاخها التي تنصبها على طريق الناس فتصطاد بها الضعفاء ومصائدها هي الشهوات والميول الباطلة والدنيا المحرمة وغيرها . . . ثم بين عليه السلام طريقة من سلم منها ، أنه إذا سلم منها واستطاع رفضها والبعد عنها ارتاح قلبه ولم يشتغل بها أو يفكر بما فيها ، إن من أصبحت ساقطة من عينه لا يبالي في أي الأماكن استقر وعلى أي الأحوال كان يتساوى عنده الصحة والمرض ، الفقر والحاجة الأمان والخوف لأنه ينظر إلى الدنيا كيوم اقترب أفوله وغروبه فهو ينتظر ما بعده ولا يلتفت إليه . . . ( اعزبي عني فو اللّه لا أذل لك فتستذليني ولا أسلس لك فتقوديني ) أكد على رفض الدنيا مجددا وأبعدها عن نفسه وأقسم باللهّ أنه لن يخضع لها ولما فيها من شهوات فتحاول عندها أن تستذله وتستعبده كما رفض التساهل معها لئلا تقوده إلى ما تريد من زينتها ومفاتنها وما فيها من شهوات . ( وأيم اللّه - يمينا استثني فيها بمشيئة اللّه - لأروضن نفسي رياضة تهش معها إلى القرص إذا قدرت عليه مطعوما وتقنع بالملح مأدوما ولأدعن مقلتي كعين ماء نضب معينها مستفرغة دموعها ) أقسم عليه السلام يمينا استثنى مشيئة اللّه فيها ليأخذن نفسه برياضة شديدة صعبة تصل فيها الحال أن نفسه تفرح إلى رغيف الخبز وتكتفي به مطعوما وبالملح مأدوما فيقهر بذلك قوة الشهوة إلى الأكل التي هي مبعث أكثر الشهوات الأخرى وبذلك يقطع مادتها ومصدرها . . . وكذلك أخذ على نفسه أن يستفرغ دموع عينيه حتى تجفا ولا يبقى مصدر يرفدهما