السيد عباس علي الموسوي

44

شرح نهج البلاغة

هم الهاربون منها اليوم ) هذا مدح للدنيا وتنعيم لها إذا وضعت في موضعها من حيث الاعتبار بها والاجتناب لمساويها وعدم الرضا بها دارا يستقر بها الإنسان ويعمل لها . . فهي دار يعمل بها للآخرة ولا يعمل لها وهذا موقعها الذي يجب أن تقع فيه وكذلك هي نعم الدار إذا لم يتخذها المرء وطنا له يبني بها ويظن إنها الباقية له والباقي عليها بل يتخذها معبرا نحو الآخرة لا استقرار فيها ولا راحة . . . ثم أشار إلى أن السعداء بالدنيا غدا هم الهاربون منها اليوم فمن يهرب اليوم من عبودية الدنيا ورقتها ويتحرر منها ومما فيها ويعمل بها للآخرة ، . من يترك ملذاتها ويهجر ما فيها فهذا هو السعيد في الآخرة . . . ( إذا رجفت الراجفة وحقت بجلائلها القيامة ولحق كل منسك أهله وبكل معبود عبدته وبكل مطاع أهل طاعته فلم يجز في عدله وقسطه يومئذ خرق بصر في الهواء ولا همس قدم في الأرض إلا بحقه ) هذا بيان للغد الذي يسعد به الهاربون من الدنيا إنه يوم رهيب يوم القيامة حيث تضطرب الأرض وترجف وتهتز وتتزلزل كما قال تعالى : يَوْمَ تَرْجُفُ الرّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرّادِفَةُ . . فهناك رجفة أولى للأرض تهتز لها الأشياء وتضطرب ثم تتبعها أخرى وهي الرادفة وجاءت القيامة بأمورها العظيمة وأهاويلها الشديدة ولحق كل إنسان بمعبوده وما كان يهواه في الدنيا ويتعلق به ويدين له بالطاعة إن كل فرد يحشر مع من كان يحب ويهوى ولو أحب حجرا لحشر معه ولو أطاع فاسقا لكان معه . . . وإذا كان الأمر كذلك فهناك يأتي عدل اللّه وانصافه وإن كل حركة ولو أن تفتح عينيك في الهواء وهو مباح أو تحرك قدمك ولو حركة بسيطة تنقلها من محلها فإنك تجزى بها بالعدل ، إنك محاسب على كل صغيرة وكبيرة بالقسط والعدل ولا يظلم ربك أحدا . . . ( فكم حجة يوم ذاك داحضة وعلائق عذر منقطعة ) . أراد أن يبين أن هناك كثيرا من الحجج الباطلة والأسباب المنقطعة التي لا تنهض في مقام الاعتذار لمن يتكل على نسبه أو مقامه أو عمل غيره وهناك بعض الناس الذين يذهبون إلى الآخرة وليس لهم ما يعتقدون أنه حجة لهم تنقذهم من عذاب اللّه ولكنهم يتمسكون بذلك ضلالا منهم وغرورا بما عندهم . . . ( فتحر من أمرك ما يقوم به عذرك وتثبت به حجتك وخذ ما يبقى لك مما لا تبقى له ) بعد أن بيّن أن هناك من الحجج ما لا يقوم عذرا أو يكون مقبولا رغب فيما ينفع ويفيد ويكون حجة بين يدي العبد تؤهله للاعتذار ولدخول الجنة وذلك بأن يطلب من أعماله وأموره ما يصح أن يكون عذرا عند اللّه وحجة صحيحة تثبته على الصراط وهذا لا يتحقق