السيد عباس علي الموسوي

420

شرح نهج البلاغة

( وتولوا على أدبارهم وعولوا على أحسابهم ) عادوا إلى ما كانوا عليه من أمر الجاهلية ، تركوا الدين وطريق الهدى ورجعوا إلى الفوضى والهوى وقد اعتمدوا على شرف آبائهم وأخذتهم نخوة الجاهلية فراحوا يدافعون عن بقايا ميراثها . . . ( إلا من فاء من أهل البصائر فإنهم فارقوك بعد معرفتك وهربوا إلى اللّه من مؤازرتك إذ حملتهم على الصعب وعدلت بهم عن القصد ) استثنى عليه السلام ممن أغواهم معاوية فئة من الناس تفكر في القضايا وتدرس الأمور وتتجرد في طلب الحق فلربما غشّتها بعض الدعاوي ولربما لبّست عليها بعض الحالات ولكنها لا تستمر في انحرافها ولا تكمل شوط الباطل إلى نهايته بل تعود بفكرها إلى الحق وهكذا فهناك جماعة من أصحاب معاوية الذين عرفوه ووقفوا على ما عنده تركوه وارتحلوا عنه بعد أن عرفوا أهدافه الدنيئة وبغيه وعدوانه على أمير المؤمنين وهربوا إلى اللّه خوفا من إعانته في كلمة أو موقف أو ضربة سيف أو طعنة رمح وعلل سبب مفارقتهم لمعاوية من حيث أراد منهم أن يتركوا دينهم وما يعرفون من الحق المتجسد بعلي ، أراد معاوية أن يحملهم على قتال إمام الهدى ويجرهم إلى الظلم ومجانبة العدل . ( فاتق اللّه يا معاوية في نفسك وجاذب الشيطان قيادك فإن الدنيا منقطعة عنك والآخرة قريبة منك والسلام ) أراد عليه السلام أن يذكره باللهّ ليحفظ نفسه من النار فأمره بتقوى اللّه في نفسه أي يحفظ نفسه بطاعة اللّه ولزوم أمره واجتناب معصيته ولا يعلن حربا أو يشق عصا الوحدة أو يشتت أمر الأمة كما أمره بمغالبة الشيطان فلا يتركه هو الذي بوجهه ويقوده إلى حيث يريد بل يمتنع منه ويرفض قيادته له . ثم ذكرّه أن الدنيا زائلة لا تبقى له إن انتصر فيها وعمل لها بينما الآخرة قريبة منه يسعى إليها في كل يوم يطوى من عمره فيجب أن يسعى الإنسان لتحسين موقعه القادم إليه خصوصا آخرته التي هي أقرب ما يكون منه . . .