السيد عباس علي الموسوي
394
شرح نهج البلاغة
أعرف وممن لا أحسب له حسابا في عالم الرزق . آمنت أن اللّه يحب الانقطاع إليه فحسب ، والتوكل على قدسه دون سواه . . . إنه كان يعطيني دروسا فذة تقطع أملي من أي جهة كنت آمل أن يكون عن طريقها رزقي ويفتح لي الأبواب عن طرق أخرى أوسع وأجمل وأكرم مما كنت أتوقع . الثاني : قوله عليه السلام : ما أقبح الخضوع عند الحاجة والجفاء عند الغنى . بعض النفوس تتغير بتغيرات الأحوال الاجتماعية والظروف المادية والمعنوية الأرضية ، وهذه النفوس ليس لها أصالة النفوس المسلمة ولا واقعيتها ولا تتمتع برصيد إيماني قوي ولا بوعي إسلامي عميق . . . إنها نفوس تعيش الجاهلية في عمقها والانحراف في طبيعتها والفساد من داخلها وتظهر كل هذه في صور وأشكال مختلفة ومتباينة ومن هذه الصور النابية المنحرفة المشوهة صورة الإنسان الذليل المسكين الذي يركع أمامك ويخضع لكل ما تمليه عليه عندما يكون بحاجة إليك وله غرض عندك ، وأما إذا استغنى عنك ولم يعد بحاجة إليك تنكر لك وابتعد عن ساحتك بل تنمّر في وجهك واستأسد عليك وكأن لم يكن بينك وبينه معرفة سابقة ولا صلة قديمة . . . وإن كل واحد منا قد مر بتجربة من هذا النوع ، وكل واحد منا رأى هذه الصورة التي يرسمها الإمام في كلمته هذه ، وكم وقفنا مع أنفسنا وقفات ، وقفنا نتأمل في هذا الفرد من الناس الذي كان بالأمس يتردد عليك ويطرق بابك من أجل حاجة يريد أن تقضيها له ، واليوم بعد أن قضيت واستغنى عنك يمر وكأن لم يعرفك . . . كم وقفنا وتألمنا من دناءة هذا الإنسان وتنكره للجميل والإتيان على كل ذلك الماضي الذي كان فيه ذليلا ودنيئا ولم يعد يتذكر منه إلا الساعة التي هو فيها ، فما أقبح الإنسان صاحب هذه الخصلة وما أقل وفاءه وإخلاصه . وهذا النوع من التصرف يتنزه عنه المؤمنون ولا يتعاملون مع بعضهم على هذا الأساس بل يبقى المسلم يتصرف مع أخيه المسلم وينظر إليه حال حاجته إليه نظرته إليه في حال غناه عنه ، وبهذا يفترق المؤمن عن غيره ممن لم يعيشوا العمق الإيماني والأصالة الرسالية والتربية والآداب الإسلامية . . . الثالث : قوله عليه السلام : إن لك من دنياك ما أصلحت به مثواك . باعتبار أن الدنيا دار ممر إلى أخرى دار مقر ، والإنسان العاقل هو الذي يأخذ من ممره إلى مقره ، ويصلح مكان إقامته الدائم ويأخذ من طريقه ما يصلح ذلك المثوى الذي لا يتحول عنه وهو واحد من أمرين : إما إلى جنة عرضها السماوات والأرض وهي لا تحصّل بالتمنّي ولا بالأحلام إنما تحصّل بالعلم والعمل به ، إنما تحصل بالجهاد والكد