السيد عباس علي الموسوي
395
شرح نهج البلاغة
والتعب ، تحصل إذا استطاع هذا الإنسان أن يقف مع نفسه ويفكر في خلواته منفردا في الأسباب الموصلة إلى تلك السعادة الأخروية التي لا ينضب نعيمها ولا يجف سرورها ، إنه ولا شك سيقوده عقله ويأخذ به تفكيره إلى الإيمان باللهّ ورسله ويتبنى طريق الأنبياء والرسل والتقيد بتعاليمهم الموصلة إلى تلك الدار التي لا عناء فيها ولا شقاء لأن طريق الأنبياء هو الطريق الوحيد الذي يقودهم إلى ذلك المقام الأمين ، ولا شك أن رسالة الإسلام التي نزلت على قلب النبي محمد - صلّى اللّه عليه وآله - باعتبارها الناسخة لكل رسالات اللّه المتقدمة والواجب على كل إنسان أن يرجع إليها والتدين بها ، فإنها الرسالة التي يسعد بتطبيقها الناس في الدنيا والآخرة . . . الرابع : قوله عليه السلام : وإن كنت جازعا على ما تفلت من يديك فاجزع على كل ما لم يصل إليك . لملمة وكفكفة لأحزان هذا الإنسان الذي امتلكت عليه الحياة كل شؤونه وشجونه فيضحي يلطم وينوح إذا فقد أمرا كان بيده فلو كانت عنده ثروة وضاعت منه بكى عليها وابتلت الأرض من دموعه وأزعج الجيران بأنينه وعنينه ، وإذا هدم بيته لأمر تراه يضج وينشر الأحزان في نفسه وبين أسرته ، بل قد يصل الحال في بعض الأشخاص أن يموت غمّا بمجرد أن يسمع بضياع ثروته أو هلاك متاعه وبذلك يخسر أمواله ويخسر نفسه . والإمام هنا يريد أن يوقظ هذه النفوس وينبهها إلى أمر وهو في منتهى البداهة ، ولكنها غافلة عنه وهو واضح للعيان ولكنها ساهية عن أبعاده ، إنه يريد أن يصب في روع هذا الإنسان أنك إذا كنت جازعا من فوت أمر كان بيدك فيجب أن تجزع لأمر لم يصل إليك . . . إن هناك أمورا كثيرة تتمناها وتستشرف نفسك إلبها ، وتتمنى أن تصبح ملكا أو أميرا وتتمنى أن تصبح صاحب أعظم ثروة في العالم وأغنى الناس وتتمنى أن تحصل على الأمر الفلاني والمنزلة الفلانية ، فإذا كنت تجزع للأول فيجب أن تجزع لهذا أيضا فكما أنك لا تجزع لهذا الأخير فيجب أن لا تجزع للأول ، يجب عليك أن تفكر في الطريق إلى إعادة ما فقدته وإلى تكوين ما ضاع من يديك من جديد . . . يجب أن لا تجزع وتحزن بل يجب أن تبتدى ء وكأنك خلقت من جديد تصارع الحياة وتخوض غمراتها من أجل البناء الجديد والحياة الجديدة . . . الخامس : قوله عليه السلام : استدل على ما لم يكن بما قد كان فإن الأمور أشباه . يقال : إنك بعد لم تمت ولكن ألم تر من مات . فيجب أن تأخذ العبرة من غيرك ويجب أن لا تكون أنت محط التجربة وقد مرت على غيرك ، بل احمد اللّه الذي لم يجرها